البشرية ، وهذا بخلاف عمل روّاد الفضاء فإنّهم يستمدّون في تحقيق أمنيتهم ، بتوسّط الأسباب والعلل الطبيعية والأجهزة الصناعيّة التي عكف على صنعها وإعدادها مئات بل ألوف من المفكّرين والعباقرة في مختلف العلوم البشرية وبإنفاق المليارات من العملة الصعبة .
هذا هو الذكر الحكيم يصوّر لنا كيفيّة إرتقاء النبي سليمان عليه السلام إلى السماء وسياحته في جوّ الأرض وذلك بتسخير الريح العاصفة له تسير به طواعية تحت أمره حيثما شاء في قوله : « وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ » ( الأنبياء / 81 ) .
فهذه الآية تعرب عن أنّ الريح العاصفة تسير به إلى الأرض التي باركها سبحانه وهي أرض الأنبياء المشار إليها في آية أخرى : « إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ » ( الأسراء / 1 ) .
ومثلها قوله سبحانه : « فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ » ( ص / 36 ) .
والرخاء هو اللين ولعلّ المراد بأنّ الريح العاصفة التي من طبيعتها الجموح والإهلاك كانت مطيعة لسليمان تجري بأمره طواعية ذلولًا كما أنّ قوله ( حيث أصاب ) أيبمعنى حيث شاء سليمان وقصد ، سواء كان المقصد البقاع المباركة أو غيرها .
كما أنّ هناك آية أخرى تحدّد لنا مقاطع حركتها الزمنية وكيف إنّه كانت في يوم واحد تقوم بقطع مسافة كانت تقطعها وسائل النقل في تلك العصور مدّة شهرين في قوله :
« وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ » ( سبأ / 12 ) .
فلو افترضنا أنّ وسائل النقل تقطع في كلّ يوم أربعاً وأربعين كيلومتراً على وفق ما هو المتعارف عليه يومذاك ، يكون مجموع مقدار المسافة اليوميّة في امتداد شهر ( 1320 ) كيلومتراً فإذا كان غدوّها شهراً ورواحها شهراً يكون مجموع المسافة التي كان يقطعها سليمان في يوم واحد تبلغ ( 2640 ) كيلومتراً .
مفاهيم القرآن — صفحة 202
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٠٢