تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
لقد تطرّق إلى بعض القلوب أنّ عمّاراً كفر ، فقال النبي : إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، وجاء عمّار إلى رسول اللَّه وهو يبكي ، فقال : ماوراءك ؟ فقال : شر يا رسول اللَّه ، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير ، فجعل رسول اللَّه يمسح عينيه ويقول : إن عادوا لك فعدلهم بما قلت ، وأضاف الطبرسي أنّ ياسراً وسميّة أبوي عمّار أوّل شهيدين في الإسلام « 1 » . إنّ الأساليب التي أنتهجتها وتبنّتها قريش لشل حركة تقدم الدعوة النبويّة لمّا أضحت فاشلة ، أضطرّت إلى اللجوء إلى أسلوب آخر وهو إثارة الضوضاء والضجيج ، للحيلولة دون بلوغ القرآن إلى مسامع الناس .

إثارة الضوضاء عند تلاوة النبي للقرآن

كان القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للنبي وكانت العرب تعرف بفطرتها أنّه كلام فوق كلام البشر ، وأنّ له لحلاوة وأن عليه لطلاوة وأن أعلاه لمثمر وأن أسفله لمغدق وأنّه يعلو وما يعلى عليه « 2 » . هكذا وصف القرآن بعض أعداء النبي ، وقد كانت الشباب من قريش وغيره يدركون حلاوة القرآن بذوقهم السليم فيندفعون إلى الإعتناق به حيث كان القرآن يأخذ بمجامع قلوبهم ويوردهم المنهل العذب من الإيمان ، فلم ير أعداء النبي بدّاً من نهي العرب عن الاستماع إليه وقد كان النبي يجهر بالقرآن في الأشهر الحرم في المسجد الحرام ، فاحتالوا بالمكاء والتصفير والتخليط في المنطق على رسول اللَّه حتى لا يسمع صوته ولا يعلم كلامه ، وإليه يشير قوله سبحانه : « وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لَاتَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » ( فصّلت / 26 ) . حتى يصدّوا بذلك
هامش
( 1 ) . مجمع البيان : ج 3 ص 388 . ( 2 ) . اقتباس من كلام الوليد بن المغيرة ، راجع مجمع البيان : ج 5 ص 387 ، والسيرة النبويّة : ج 5 ص 382 .
مفاهيم القرآن — صفحة 188 | الشيخ جعفر السبحاني