لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلًا ، فإنّ وفود العرب ستأتيك فنستحيي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمه معنا فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت ، قال نعم ، قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً ، فدعا بالصحيفة ودعا عليّا ليكتب ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل بهذه الآية : « وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدوةِ وَالعَشِىِّ » إلى قوله « فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » فألقى رسول اللَّه الصحيفة من يده ، فأتيناه وهو يقول : « سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » فكنّا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ، فأنزل اللَّه : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدوةِ وَالعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » قال : فكان رسول اللَّه يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم « 1 » .
يقول العلّامة الطباطبائي في هذا الصدد : « استفاضت الروايات على نزول سورة الأنعام دفعةً ، هذا والتأمل في سياق الآيات لا يبقي ريباً أنّ هذه الروايات إنّما هي من قبيل ما نسمّيه تطبيقاً ، بمعنى أنّهم وجدوا مضامين بعض الآيات تقبل الانطباق على بعض القصص الواقعة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعدّوا القصّة سبباً لنزول الآية لا بمعنى أنّ الآية إنّما نزلت وحدها دفعة لحدوث تلك الواقعة ورفع الشبهة الطارئة من قبلها بل بمعنى أنّ الآية يرتفع بها ما يطرء من قبل تلك الواقعة من الشبهة كما ترفع بها الشبه الطارئة من قبل سائر الوقائع من أشباه الواقعة ونظائرها كما يشهد بذلك ما ترى في هذه الروايات الثلاث الواردة في سبب نزول قوله : « وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ . . . » الآية ، فإنّ الغرض فيها واحد لكن القصص مختلفة في عين أنّها متشابهة فكأنهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقترحوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء كرّة بعد كرّة وعنده في كل مرّة عدّة من ضعفاء المؤمنين وفي مضمون الآية إنعطاف إلى هذه الإقتراحات أو بعضها « 2 » .
هامش
( 1 ) . الدر المنثور : ج 3 ص 13 ، ونقله في مجمع البيان عند تفسير الآيتين فلاحظ .
( 2 ) . الميزان : ج 7 ص 110 بتصرّف يسير .