وأمّا الخامس : أعني الإتيان بالملائكة قبيلًا ومشاهدتهم بانقلاب الغيب شهوداً فهو من المعاجز التي لو تحقّقت ولم يترتب عليها منهم إيمان وإذعان لعمّهم العذاب ولا ينظرون ، وقد مرّ ذلك في تفسير قوله : « وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِىَ الأَمْرُ ثُمَّ لَايُنْظَرُونَ » ( الأنعام / 8 ) .
وأمّا السادس : وهو أن يكون له بيت من ذهب فلاصلة له بصدق الدعوة .
وأمّا السابع : وهو الرقي في السماء فهو أشبه باقتراح الصبيان ولو فرض تحققه عن طريق الإعجاز لما آمنوا به بشهادة قولهم في الاقتراح الثامن : « وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ » . حيث صرحوا بأنّ رقيه في السماء غير كاف في إيمانهم وإذعانهم بل يجب أن يقترح عليه أمراً ثامناً وهو أن ينزل عليهم كتاباً يقرؤونه ، ولعلّ مقصودهم أن ينزل كتاباً فيه اسمه ورسالته .
إنّ هذه الإقتراحات التعجيزية أوضح شاهد على أنّ القوم لم يكونوا بصدد كشف الحقيقة وتحرّى الواقع والصدق ولو افترضنا النبي قد امتثل لبعض اقتراحاتهم الممكنة لوجدناهم يأتون بحجج واهية أخرى بقصد التعجيز لاغير ولأجل ذلك يقول سبحانه في حق هؤلاء وأشباههم : « وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » ( الأنعام / 7 ) .
ويقول سبحانه : « وَلَوْ أَنَّ قَرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ للَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً » ( الرعد / 31 ) . وهذه الآية ونظائرها تدلل بشواهد صادقة لا يشوبها الريب على أنّ القوم لم يكونوا بصدد الوقوف على الحقيقة واستكشافها ولأجل ذلك كانوا يقترحون على النبي اموراً تنم عن روح العناد والمكابرة ، وأمّا الذكر الحكيم فقد أجاب عنه بوجهين :
1 - « سُبْحَانَ رَبِّى . . . » ولعلّه جواب عن قولهم أو يأتي باللَّه ، واللَّه سبحانه منزّه عن المادّة وآثارها وليس للبشر تصحّ رؤيته بحاسة الأبصار . قال سبحانه : « لَاتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ » ( الأنعام / 103 ) .
مفاهيم القرآن — صفحة 180
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٨٠