ويقول سبحانه في حق المترفين : « وَمَا ارْسَلنا في قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إنّا بِمَا ارْسِلْتُمْ بِهِ كافِرونَ » ( سبأ / 34 ) .
إنّ طبيعة الترف وانبساط النعمة والعيش الرغيد تؤدّي إلى الجموح والطغيان والتغافل عن كل ما من شأنه أن يحول بينه وبين شهواته وميوله وغرائزه ، يقول سبحانه : « انّ الانْسانَ لَيطْغَى * انْ رَآهُ اسْتغْنَى » ( العلق / 6 و 7 ) .
أين هذه الفكرة من طبيعة الشريعة السماوية التي تفرض على الإنسان الاعتدال في الشهوات وسلوك الجادة القويمة ، فلا ينسفها من رأس ولا يرخي لها العنان .
فلأجل ذلك نرى أنّ الملأ في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب المجون والترف عارضوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخالفوا لمّا رأوا أنّه يريد أن يضع حدوداً في طريق ميولهم والحيلولة دون اشباع نهم غرائزهم المستعرة ، فلذلك قاموا بتكثيف الجهود في وجه الدعوة المحمّدية .
6 - إنّ الحسد والتنافس والتنازع من العوامل التي تصطنع حجباً أمام البصائر فلا تتمكّن من رؤية الحقائق على ما هي عليه ومثله الكبر والغرور فيصدّان الإنسان عن رؤية الحقيقة بل يبعثان إلى اختلاف أعذار واهية للتنكّب عن قبول الحقّ والإذعان به ، فنحن نرى ذلك العامل في وجه الدعوة النبويّة حيث إنّ قريشاً كانت تشعر بأنّ النبوّة مقام شامخ إلهي يستعقب عزّة الصادع بها وقومها على القبائل الاخر ، فكان ذلك رادعاً عن قبول عدّة من أكابر قريش الدعوة الإلهيّة قائلين : لماذا لم ينزل هذا القرآن على الوليد بن المغيرة وهو أحقّ به من النبي بزعمهم .
يقول سبحانه : « وَقالُوا لَوْلا نُزّلَ هَذا القُرْآنُ علَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيتَيْنِ عَظِيمٍ * اهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيْشَتَهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيَا وَرَفعْنَا بَعضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعَضاً سُخريّاً وَرَحْمتُ ربّكَ خيرٌ ممّا يَجمَعُونَ » ( الزخرف / 31 و 32 ) .
هذه هي الموانع التي اصطنعتها قريش في وجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
مفاهيم القرآن — صفحة 140
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٤٠