الف - اكالة التهم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
كان أسلوب تحطيم الشخصيات عن طريق إكالة التّهم إليهم أقدم حربة بيد الجهّال يطعنون بها على المصلحين ، وقد إستعملها مشركوا عصر الرسالة في بدء الدعوة ولم تكن الفرص تسنح لهم بقتله واغتياله ، فحاولوا إغتيال شخصيّته ليسقطوه عن أعين الناس ، فإنّ نجاح المصلح في نشر دعوته يكمن في اتّسامه بالقداسة والطهارة والعقلية الرزينة ، فلو افتقد المصلح تلك - السمات عن طريق الاتّهام بما يضادها - ذهب سعيه أدراج الرياح وأصبحت جهوده سدى ، فلأجل ذلك اختارت قريش القيام بشن حرب نفسيّة ضروس لا هوادة فيها للحطّ من قيمته وكرامته والحيلولة دون نفوذ كلمته .
ولكنّهم مهما بذلوا من جهود لإنجاح مؤامراتهم لم تتجاوز تهمهم عن الكهانة والسحر والجنون وأشباهها لأنّ النّبي قد كان في الطهارة النفسيّة والأمانة المالية وسائر الصفات الكريمة على حدّ حال دون إلصاق تهم أخرى به ككونه خائناً سارقاً قاتلًا غير غفيف ، وهذا أحد الدلائل البارزة المشرقة على أنّه كان فوق التهم المشينة المزرية ، وكانت حياته طيلة أربعين سنة مقرونة بالصلاح والفلاح والأمانة ولو كانت هناك أرضية صالحة لتوصيف النبيّ بها ، لما أمسكوا عنها .
نعم قام العدو باتّهامه بأمور يشكل اثباتها كما يشكل نفيها عن المتهم ، وهذه هي الطريقة المألوفة عند بني الشياطين لمس كرامة المصلحين حيث يشنّون عليهم بمثل هذه التّهم لغاية إسقاطهم عن أعين النّاس . يقول سبحانه : « كَذلَك مَا اتى الّذِينَ مِنْ قَبْلِهم مِنْ رَسُولٍ إلّا قَالُوا سَاحِرٌ اوْ مجْنُونٌ » ( الذاريات / 52 ) .