ب - الاعتقاد بيوم الحساب وأنّ وراء الحياة الدنيوية ، حياة أخرى تجزى فيها كل نفس بما عملت من خير وشر ، وانّ الناس في ذلك اليوم على فئتين : فئة ضاحكة مستبشرة وفئة بائسة مكفهرّة ، وانّ الظالمين والمتجاوزين سوف يحاسبون فيها أشدّ الحساب ودقيقه .
يقول سبحانه : « فإذا جاءتِ الصّاخّةُ * يَوْمَ يَفرُّ المَرءُ مِنْ أَخِيِه * وامّهِ وَأَبيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيِه * لِكُلِّ امْرىءٍ منْهُمْ يَوْمَئِذٍ شأنٌ يُغنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَومئذٍ عَليْها غَبَرَةٌ * تَرهَقُها قَتَرةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الَكَفرةُ الفَجَرةُ » ( عبس / 33 - 42 ) .
ويقول عزّ اسمه في سورة أخرى : « يَا ايُّها النّاسُ اتّقُوا ربّكُمْ انّ زَلزَلَةَ السّاعَةِ شَيءٌ عَظيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرضِعةٍ عَمّا ارضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وتَرى النّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكارَى وَلَكنّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » ( الحج / 1 و 2 ) .
كانت هذه الندءات الربّانيّة تبعث الرعب والهلع في قلوب المشركين ، لأنّهم يجدون أنفسهم أمام عذاب أليم لا مناصّ منه ولا مفرّ عنه ، وبما أنّهم كانوا يعانون من تبنّي هذه الفكرة بل من سماعها واحتمال صدقها ، فجنحوا إلى إراحة أنفسهم من هذا العذاب الآجل بإنكار الدعوة وتكذيبها من الأساس .
إنّ هؤلاء الجناة كانوا معتادين أن ينحروا للأصنام طلباً لمحو سيئاتهم ثم تتركهم في القتل والنهب وارتكاب الفحشاء وغيرها في مستقبل حياتهم ، وأمّا الدعوة التي لاتقبل الرشوة والمهادنة وترفض القرابين والنحور فلا تحقّق أملهم ولا تلقي إليهم بالضوء الأخضر حتّى يقترفوا ما يشاؤوا .
5 - إنّ المترفين والملأ كانوا يكافحون دعوة الأنبياء وينابذونها والقرآن قد سجّل أعمالهم الإجرامية في غير واحد من الآيات ، قال سبحانه : « قَالَ المَلأُ الّذِينَ اسْتَكبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخرِجَنّكَ يَا شُعيْبُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَريَتِنا اوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلّتِنَا قَالَ أَوَلَوْكُنّا كَارهِينَ » ( الأعراف / 88 ) .
مفاهيم القرآن — صفحة 139
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٩