ثانياً ، ثمّ عاد السائل فأعطى وهكذا ثلاث مرّات ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ملاطفاً لاغضبان : أسائل أنت يا فلان أم تاجر ؟ فتأخّر الوحي أيّاماً فاستوحش فنزلت .
وثالثة : رووا عن ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني وابن مردويه من حديث خولة ، وكانت تخدم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أن جرواً دخل تحت سرير رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فمات ولم تشعر به ، فمكث رسول اللَّه أربعة أيّام لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ! ما حدث في بيت رسول اللَّه ؟
جبرئيل لا يأتيني ! فقلت يا نبي اللَّه ما أتى علينا يوم خير من هذا اليوم ، فأخذ برده فلبسها وخرج ، فقلت في نفسي لو هيّأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل فلم أزل به حتى بدا لي الجرو ميّتاً ، فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار ، فجاء النبي ترعد لحيته ، وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة ، فقال يا خولة دثّريني ، فأنزل اللَّه تعالى : « والضحى والليل إذا سجى » « 1 » .
ورابعة : إنّ المسلمين قالوا : يا رسول اللَّه مالك لا ينزل عليك الوحي ؟ فقال : وكيف ينزل عليّ وأنتم لاتنقّون رواجبكم ، وفي رواية :
براجمكم ، ولاتقصّون أظفاركم ، ولا تأخذون من شواربكم ، فنزل جبرئيل بهذه السورة ، فقال النبي : ما جئت حتى اشتقت إليك ، فقال جبرئيل : وأنا كنت أشدّ إليك شوقاً ، ولكنّي عبد مأمور ، ثمّ أنزل عليه : « وَمَا نَتَنَزَّلَ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ » ( مريم / 64 ) « 2 » .
إنّ الاضطراب في أسباب فتور الوحي يعرب عن عدم صحّة الرواية .
أمّا الأوّل : فلو صحّ فيلزم كون زمان انقطاع الوحي في العام السابع من البعثة لأنّ قريشاً أرسلت النضر بن الحارث وابن أبي معيط إلى أحبار اليهود يسألانهم عن النبي الأكرم ، وقالا لهم : إنّكم أهل التوراة وقدجئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ، فقالت لهم أحبار اليهود : سلوهُ عن ثلاث نأمركم بهنّ ، فجاؤوا إلى رسول اللَّه ، وقالوا : يا محمّد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ، قد كانت لهم قصّة عجب ،
هامش
( 1 ) . روح المعاني ج 10 ص 157 .
( 2 ) . تفسير القرطبي ج 20 ص 93 ، ومجمع البيان ج 10 ص 55 ( طبع صيدا ) .