السادس : « الأعلم »
وقد ورد في الذكر الحكيم لفظ « الأعلم » 49 مرّة ولم يوصف به غيره سبحانه .
قال سبحانه : « يَقُولُونَ بِافْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ اعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ » ( آل عمران / 167 ) .
وقال سبحانه : « اللَّهُ اعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ( الأنعام / 124 ) إلى غير ذلك من الموارد .
وصيغة « أعلم » صيغة المفاضلة ومعناه انّه يثبّت العلم لنفسه وغيره ولكنّه يفضّل علمه على غيره غير أنّه يعدل عنه في موارد بقرائن خاصّة مثل قوله سبحانه : « وَإِذا جائَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤتى مِثْلَ ما أُوتِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ اعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ( الانعام / 124 ) فعلّقوا إيمانهم وتصديقهم على أن يؤتوا مثل ما أوتى رسل اللَّه بأن ينزّل عليهم الملك والوحي ، فأجيبوا بقوله سبحانه « اللَّهُ اعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » والمناسب لمقام الرد هو انسلاخ صيغة التفضيل من المفاضلة أيإنّه العالم دونهم بحجّة انّهم علّقوا ايمانهم على صدق النبي على أن يكونوا أنبياء مثله وهذا دليل على جهلهم المطبق ، فهم جهلاء واللَّه سبحانه هو العالم ، ونظير ذلك قوله سبحانه نقلًا عن « لوط » في حق بناته : « يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ » ( هود / 78 ) وقوله سبحانه حاكياً عن يوسف « رَبِّ السِّجْنُ احَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى الَيْهِ » ( يوسف / 33 ) والمناسب لمقام العصمة كون السجن محبوباً إليه دون غيره أعني الفحشاء ، والحبّ بمعنى كونه موافقاً للغريزة الجنسية خارج عن مجال البحث قال سبحانه :
« قُلْ اذلِكَ خَيْرٌ امْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ المُتَّقُونَ » ( الفرقان / 15 ) والمراد انّها خير دون الجحيم بل هي شر ، وعلى ذلك فالأصل في الصيغة هو الحمل على المفاضلة إلّا إذا دلّ الدليل على خلافه ، نعم أدب العرفان والعبوديّة يقتضي توصيفه سبحانه فقط بالعلم .