تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الصفات العليا فله العلم الذي لايطرأ عليه الجهل ، والقدرة التي لاتعرضه عجز ، والحياة التي لايحدّدها موت ، فهو سبحانه أعلى من أمثال السوء التي يتصف بها غيره . فاللَّه سبحانه أعلى ذاتاً ووجوداً ، وأعلى صفة وسمة . أمّا علوّ ذاته فلأجل كونه واجب الوجود ومبدع الممكنات وموجدها ، وأمّا علوّ صفاته فلأنّ كلّ وصف كمالي يوصف به شيء في السماوات والأرض كالحياة والقدرة والعلم والملك والجود والكرم والعظمة والكبرياء ، فله السهم الأعلى ولغيره الأدنى وذلك لعدم محدوديّة صفاته بخلاف غيره . ثم انّه ربّما يفسّر « الأعلى » بالقاهر . قال الصدوق : وأمّا الأعلى فمعناه العليّ والقاهر ويؤيّد ذلك قوله عزّ وجلّ لموسى ( عليه السلام ) : « لاتَخَفْ انَّكَ انْتَ الْاعْلى » ( طه / 68 ) اي القاهر وقوله عزّ وجلّ في تحريض المؤمنين على القتال : « وَلاتَهِنُوا وَلاتَحْزَنُوا وَانْتُمُ الْاعْلَونَ انْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » ( آل عمران / 139 ) وقوله عزّوجلّ : « إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْارْضِ » ( القصص / 4 ) . أيغلبهم واستولى عليهم ، وقال الشاعر في هذا المعنى :
فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركنا هم صرعى لنسر وكاسر
ثم قال ، وهناك معنى ثان وهو إنّه متعال عن الأشباه والأنداد أيمتنزّه كما قال : « وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ » ( يونس / 18 ) . والظاهر تعين المعنى الثاني وهو الذي عبّرنا عنه بالرفعة وجوداً وصفة ثم الرفعة كما تتحقق بالصفات الكمالية على ما أوضحنا ، تتحقق بالتنزّه عن الأشباه والأنداد وهو الذي ذكره الصدوق ، وأمّا المعنى الأوّل فالظاهر أنّه لازم المعنى الثاني فانّ العلو رتبة بل ومكاناً يستلزم القهر والغلبة ، فالقهر والغلبة ، من لوازم المعنى وليست نفس المعنى .
مفاهيم القرآن — صفحة 130 | الشيخ جعفر السبحاني