تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
دقيقة ورصينة ليمكن تكوين الشخصيّة الإنسانيّة المتكاملة والنفسيّة البشريّة الفاضلة ؛ وإليك تفصيل القول في كلّ واحد منها :

1 - عوامل الوراثة

يرى علماء التربيةوالنفس للابتداء في تربية النشء مبدءاً معيّنا في عمر الإنسان ، يعتقدون أنّه الوقت المناسب للتهذيب والتربية . . . بيد أنّ الإسلام لا يرى ذلك بل يعتقد أنّ العناية بأمر الطفل يجب أن تبدأ منذ اللقاء الأوّل بين والديه ، ومنذ انعقاد نطفته بل وقبل ذلك . لأنّ الإسلام يرى أنّ أكثر ما ينطوي عليه الأبوان من أخلاق وصفات تنتقل - بالوراثة - إلى أبنائهم ، وتؤثّر على شخصيّتهم ، ومسيرهم ومصيرهم ، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العلميّة بالكناية البليغة ، والإشارة الحسيّة اللطيفة حيث قال : « وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ » ( الأعراف : 58 ) . إنّ اللَّه سبحانه لم يكن يريد أن يقرّر للناس ما هم عارفونه ، ومطّلعون عليه من ظواهر الطبيعة من أنّ الأرض الطيبة يكون نباتها طيباً ، والخبيثة لا يُخرج منها إلّا النكد ، بل كان يريد الإشارة إلى الدور الحسّاس الذي يلعبه عامل الوراثة وأخلاق الأبوين في المولود . وإلى ذلك يشير شيخ الأنبياء نوح - عليه السلام - حيث يدعو اللَّه سبحانه أن لا يبقي من قومه الكفرة أحداً في الأرض لأنّهم إن بقوا لا يلدوا إلّا فاجراً كفّاراً إذ قال اللَّه عنه : « وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلَّا فَاجِراً كَفَّارَاً » ( نوح : 26 - 27 ) . وهي تكشف عن أنّ صلاح الوالدين يهيّء الأرضيّة لصلاح الولد كما أنّ فسادهما يهيّء الأرضيّة لفساده وانحرافه . كما قال الإمام عليّ - عليه السلام - : « حُسنُ الأخلاق بُرهانُ كرم الأعراق » « 1 » .
هامش
( 1 ) - غرر الحكم : 379 .
مفاهيم القرآن — صفحة 422 | الشيخ جعفر السبحاني