إلى هنا استطعنا - بشكل واضح - أن نتعرف على حقيقة « العبادة » و « الشرك » ويلزم أن نستنتج من هذا البحث فنقول : إذا خضع أحد أمام آخرين وتواضع لهم ، لا باعتقاد أنّهم « آلهة » أو « أرباب » أو « مصادر للأفعال والشؤون الإلهية » بل لأنّ المخضوع لهم إنّما يستوجبون التعظيم ، لأنّهم « عِبَادٌ مُكَرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » « 1 » فإنّ هذا الخضوع والتعظيم والتواضع والتكريم لن يكون عبادة قطعاً ، فقد مدح اللَّه فريقاً من عباده بصفات تستحق التعظيم عندما قال :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ » . « 2 » وفي موضع آخر من القرآن صرح اللَّه تعالى باصطفاء إبراهيم لمقام الإمامة ، إذ يقول تعالى :
« قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً » . « 3 » وكل هذه الأوصاف العظيمة التي مدح اللَّه بها : نوحاً وإبراهيم وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمداً - صلوات اللَّه عليهم أجمعين - أُمور توجب نفوذهم في القلوب والأفئدة ، وتستوجب محبتهم واحترامهم حتى أنّ مودة بعض الأولياء فرضت علينا بنصِّ القرآن . « 4 » فإذا احترم أحد هؤلاء ، في حياتهم أو بعد وفاتهم ، لا لشيء إلّا لأنّهم عباد اللَّه المكرمون ، وأولياؤه المقربون ، وعظمهم دون أن يعتقد بأنّهم « آلهة » أو « أرباب »
هامش
( 1 ) . الأنبياء : 26 - 27 .
( 2 ) . آل عمران : 33 .
( 3 ) . البقرة : 124 .
( 4 ) . « قُل لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » ( الشورى : 23 ) .