يخلق ويرزق ويحيي ويميت من دون أن يستعين بأحد « 1 » ، أو يستعين في خلقه بمادة قديمة غير مخلوقة له ، بل اللَّه سبحانه يخلق الجميع بنفسه من دون استعانة بأحد أو بشيء ، فهو يخلق المادة ويصورها كيف شاء ، فلو اعتقدنا أنّ أحداً مستغن في فعله العادي ، وغير العادي عمّن سواه ، وإنّه يقوم بما يريد من دون استعانة أو استمداد من أحد حتى اللَّه سبحانه ، فقد أشركناه مع اللَّه واتخذناه نداً له تعالى .
وصفوة القول هي : إنّ ملاك البحث في هذا التعريف هو : « استقلال الفاعل » في فعله وعدم استقلاله ، والتوحيد بهذا المعنى مما يشترك فيه العالم والجاهل .
نعم ما يدركه المتألّه المثالي من التفاصيل في مورد الاستقلال في المعبود وعدمه في العابد على ضوء الأدلة العقلية والكتاب العزيز مما يدركه غيره أيضاً بفطرته التي خلق عليها ، وعقليته التي نما عليها ، فلا يلزم من اختصاص فهم التفاصيل بهذه الطبقة ( أي المتألهين البصيرين ) حرمان العرب الجاهليين من فهم معاني العبادة ومشتقاتها الواردة في القرآن ومحاوراتهم العرفية ، فالعبادة بهذا المعنى ( أي باعتقاد كون المعبود مستقلًا ) يشترك فيه العالم والجاهل ، والكامل وغير الكامل ، غير أنّ كل فرد من الناس يفهمه على قدر ما أُعطي من الفهم والدرك كما قال سبحانه : « فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا » . « 2 » غير أنّ الدارج في ألسن المتكلّمين هو « التفويض » فلنشرح مقاصدهم .
هامش
( 1 ) . نعم قد سبق منا عند البحث عن التوحيد في الربوبية أنّ كون اللَّه سبحانه لا يستعين - في فعله بأحد لا يلازم أن يقوم بنفسهبكل الأُمور ، وبأن تكون ذاته مصدراً للخلق والرزق والإحياء والإماتة من دون أن يتسبب في كل ذلك بالأسباب ، بل معناه أن يكون في فعله - سواء في أفعاله المباشرية أو التسبيبية - مستغنياً عن غيره ، وإن كانت أفعاله جارية عبر نظام الأسباب والعلل .
( 2 ) . الرعد : 17 .