انّ الجواب : يتضح من التوجه إلى « استقلال » اللَّه في التأثير والفعل ، و « عدم استقلال » غيره في مقام الذات والفعل .
فالخالقية المنحصرة في اللَّه غير قابلة لاتصاف الغير بها ، ولا قابلة لإثباتها للغير ، إذ هو مستقل أصيل في خلقه بمعنى أنّه لا يعتمد على شيء ولا يستعين بأحد ولا يحتاج لأذن آذن ، ومن المعلوم أنّ القرآن الكريم لم يصف أحداً بمثل هذه الخالقية دون اللَّه تعالى .
أمّا الخلق والخالقية التي يكون المتصف بها معتمداً على اللَّه ، ومحتاجاً إلى قدرته وإرادته وعونه ، فهي يمكن أن تثبت للمخلوقين ، إذ لا مشاركة حينئذ مع اللَّه في الصفة الثابتة له المذكورة سابقاً .
فكل شيء من أشياء هذا الوجود يكون خالقاً في حد نفسه عندما يكون مؤثراً لأثر وسبباً لمسبب ، ولا ريب أنّ إثبات هذا النوع من الخالقية لغير اللَّه لا ينافي « التوحيد الخالقي » على النحو الذي مر تفسيره وبيانه .
وربما يجاب عن هذا السؤال بأنّ لفظة « الخلق » تطلق ويراد منها الإيجاد من العدم تارة وأُخرى التقدير ، والمراد من قوله سبحانه : « أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ » هو المعنى الثاني ، أيأقدر لكم من الطين كهيئة الطير .
غير انّ هذا الجواب لا يخالف مع ما اخترناه في هذا الفصل ، فانّ التقدير وإن كان فعلًا للمسيح ، إلّا أنّه بما هو ظاهرة كونية يحتاج إلى فاعل ، وليس الفاعل القريب إلّا المسيح عليه السلام ، ولكنه ليس مستقلًا في فعله هذا ، كما هو ليس مستقلًا في ذاته وإلّا تلزم الثنوية في الفاعلية المستقلة ، على ما أوضحنا برهانه فالتقدير مع كونه فعلًا له ، فعل للَّه سبحانه ، ونعم ما قاله الحكيم السبزواري في منظومته
مفاهيم القرآن — صفحة 359
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٥٩