تعالى ، ذلك لأنّ العبادة إنّما يستحقها من يكون متصفاً بالكمال ومنزّهاً عن أية نقيصة أو عائبة ، وأي كمال أعلى من الاتصاف بالخالقية التي أسبغ صاحبها لباس الوجود على كل شيء مما سواه ؟
وبعبارة أُخرى فإنّ العبادة من مقتضيات المالكية والمملوكية ، الناشئتين من الخالقية والمخلوقية ، وإذ يعترف المشركون بأنّ اللَّه هو الخالق دون سواه ، فلماذا يعبدون غيره ؟ ولماذا لا يجتنبون عن عبادة من سواه ؟
وعلى هذا الأساس فإنّ إصرار القرآن الكريم ليس لأنّ المشركين كانوا يشكون في « التوحيد الخالقي » وغافلين عن هذه الحقيقة الساطعة الثابتة ، بل لأنّهم كانوا غافلين عن لوازم التوحيد الخالقي ، وهو : التوحيد في العبادة ، فأراد اللَّه بالتذكير بهذه الحقيقة أنّ يلفت نظرهم إلى لازمه وهو « التوحيد في العبادة » .
هذا وقد نقلنا لك فيما مضى بعض هذه الآيات . « 1 » وقد ذكرت هذه الحقيقة ( أي حصر الخالقية في اللَّه تعالى ) في آيات أُخرى بعبارة « الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » ، مثل قوله :
« إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » . « 2 »
« أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » . « 3 »
هامش
( 1 ) . راجع الآيات التالية : الأنعام : 102 ، فاطر : 3 ، الزمر : 62 ، غافر : 62 ، الحشر : 24 وغيرها .
( 2 ) . الحجر : 86 .
( 3 ) . يس : 81 .