إذن يجب علينا أن ننظر كيف عمل اللَّه بوعده في استخلاف المؤمنين .
إنّ انتشار الإسلام وتوسعه في عهد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبعده لهو أحد تلك الوعود ، والبشائر التي تحقّقت ، وهو بالتالي إحدى الآيات الآفاقية الدالة على صدق أخبار القرآن الغيبية المستقبلية .
كما أنّ هلاك صناديد قريش وأقطابها وزعمائها في بدر وأحد والأحزاب واندحار النظام الكسروي والقيصري هي الأُخرى من الآيات الأنفسية الشاهدة على صدق أخبار القرآن ومغيّباته .
وبعد تحقّق هذين النوعين من الآيات والعلامات يجب أن لا يشك أحد في صحة القرآن الكريم وصدقه ، لصدق تنبّؤاته ، وصحة دعاويه .
لقد ذكر اللَّه تعالى في ذيل الآية الثانية بواحد من أهم أُسس الدعوة القرآنية ، ألا وهو حضور اللَّه في كل مكان وشهادته على كل شيء دون استثناء أو أنّ جميع الأشياء تراه وتشهده ، إذ قال :
« أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » .
وعندئذ - أيوفق النظرية التي ذكرناها - لا تكون الآية الثانية ناظرة إلى الاستدلال على وجود اللَّه سبحانه عن طريق الآيات الآفاقية والأنفسية ، بل تكون ناظرة إلى صحة دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتحقّق أخباره .
وهذا التفسير - كما قلنا - إنّما يكون وجيهاً ومقبولًا إذا ربطنا بين الآيتين وحافظنا على وحدة السياق بينهما .
وأمّا إذا درسنا الآية الثانية بقطع النظر عن الآية المتقدمة عليها ، أو احتملنا نزول الآية الثانية مرتين : مرة مع الآية الأُولى وبصحبتها ، وأُخرى منفردة وبصورة
مفاهيم القرآن — صفحة 189
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٨٩