فإنهم لم يتركوا بعد ما أتوا به شيئا إلا رهائن المعارك والقتلى .
ومن ذلك قول بعض الأعراب : النعم ثلاث : نعمة في حال كونها نعمة ، ونعمة ترجى مستقبلة ، ونعمة تأتي غير محتسبة ، فأبقى اللّه عليك ما أنت فيه ، وحقق ظنك فيما ترتجيه ، وتفضل عليك بما لا تحتسبه . فاستحسن قوم هذه القسمة ، وليست بشيء ؛ لتداخلها والإخلال ببعض أقسامها :
أما الأول : فلأن غير المحتسبة من أقسام المستقبلة ، أو المستقبلة إن ظهر سببها كانت محتسبة ، وإلا فهي غير محتسبة .
وأما الثاني : فلأن من أقسام النعم : الماضية ، ولم يذكرها .
ولو قال « النعم ثلاثة : نعمة ماضية ، ونعمة حاضرة ، ونعمة مستقبلة ، فأحسن اللّه آثار النعمة الماضية ، وأبقى عليك الحاضرة ، وأجزل لك المستقبلة » لطبق مفصل البلاغة .
وقد تعجب بعض البلغاء من قول العباس بن الأحنف :
وصالكم هجر ، وهجركم قلى
وعطفكم صدّ ، وسلمكم حرب « 1 »
وقال : هذا أحسن من تقسيمات أوقليدس « 2 » . وغفل عن أن شرط التقسيم الصحيح أن لا يقبل الزيادة ، وهذا يقبلها ، نحو :
ولينكم عنف وقربكم نوى * وإعطاؤكم منع ، وصدقكم كذب
وكثير من هذا الباب .
وقد أنكر علي بن معط « 3 » قوله في الفقيه :
هامش
( 1 ) ديوانه ص 13 .
( 2 ) أوقليدس : لفظ يوناني مركب من « أقلي » : بمعنى المفتاح ، و « دس » بمعنى الهندسة أي : مفتاح الهندسة ، وهو اسم رجل برز في علمي الهندسة والحساب . معجم الأدباء 2 / 44 .
( 3 ) هو يحيى بن معط بن عبد النور الزواوي المغربي ولد سنة 564 وتوفي 628 ه . بغية الوعاة 2 / 344 عيسى الحلبي .