والمستقبل بالماضي نحو : « إن تكرمني أكرمتك » كل ذلك على التقابل المعنوي مثال الثالث : وهو ضربان :
أحدهما : مقابلة الشيء بما يقاربه ويناسبه ، كقوله « 1 » :
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا
قابلي الظلم بالمغفرة ، وليست ضده ولا مثله ، لكنها قريبة من العدل والإنصاف الذي هو ضد الظلم .
الثاني : مقابلته بما يبعد عنه ، كقوله « 2 » :
أم هل ظعائن بالعلياء رافعة * وإن تكامل فيها الدّلّ والشنب
والدل : الشكل ، والشنب : ومن أوصاف الإنسان ، ولا مناسبة بينهما ، وإن كانت فبعيدة .
ومما يناسب ذكره هنا ، بيان وجه اختصاص فواصل النثر ، وأعجاز النظم بحالها منه ، ويجب أن يكون ذلك على وفق مقتضى المناسبة .
أما في كتاب اللّه تعالى ، فذلك لازم ، ولنضرب له أمثلة :
منها قوله تعالى في آخر آية الدّين :
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 3 » إنما فصلها بذكر العلم ؛ لأنه بيّن في الآية أحكام الدّين والتجارة والإشهاد في البيع وغير ذلك . وأيضا فإنها خاتمة أحكام السورة ، وقد نصّ فيها علوما كثيرة ، فلما انتهى ذلك ، أمرهم بتقواه ، والتزام ما حدّ لهم ، ثم كأنه عرض لهم بالامتنان عليهم بالتعلم ، ثم أخبرهم « بأنه بكل شيء عليم » ، ليكونوا على ثقة مما علمهم ؛ لكمال علمه ؛ لأن
هامش
( 1 ) القائل هو قريط بن أنيف ، والبيت في الحماسة من قصيدة مطلعهالو كنت من مازن لم تستبح إبلي * بنو اللقيطة من ذهل بن شيباناانظر شرح الحماسة للمرزوقي 1 / 22 .
( 2 ) نسبه ابن الأثير في المثل السائر إلى الكميت . والشنب : ماء وعدو به في الأسنان انظر المثل السائر 3 / 154
( 3 ) سورة البقرة آية 282