يكون أقربنا إلى العدو ، وهذا أبلغ من بيانه بذلك على نفسه ، فكذلك اللّه تعالى ، لما أثنى على نفسه بالقدرة ، لم يؤكد .
وعيسى صلّى اللّه عليه وسلّم لما أثنى عليه بالعلم أكّد استعمالا لأدب العبودية بين يدي عزة الربوبية ، وهذا أحسن من جواب ابن الأثير ، لكن جوابه أشمل وأعم .
ويمكن الجواب بالفرق بين القدرة والعلم ، وذلك من وجهين :
أحدهما : أن القدرة أخص ، إذ كل مقدور معلوم ، وليس كل معلوم مقدورا ؛ إذ المستحيل معلوم ، ولا يوصف بالمقدور به ، ولا يدخل تحت القدرة ، فاستغنت بقوة الأخصية عن التأكيد ، بخلاف العلم .
الثاني : أن العلم أخفى من القدرة ؛ إذ العلم صفة للنفس ، والقدرة صفة لمجموع الذات ، ولهذا كثر الخلاف في العلم ، على ما عرف في الكلام ، ولم يقع الخلاف في القدرة إلا بيننا وبين القائلين بأن الصانع مؤثر بالطبع والإيجاب ، لا بالقدرة والاختيار .
فإن قلت : فهذا يقتضي عكس ما ذكرت ؛ لأن الخلاف في العلم إنما هو في كيفيته مع الاتفاق على وجود حقيقته ، والخلاف في القدرة في وجود حقيقتها ، وما اتفق على وجوده أظهر مما اختلف فيه ، فدل على أن العلم أظهر .
قلت : الخلاف في القدرة ليس من جهة الظهور والخفاء ، بل من جهة أن ثبوتها للصانع يستلزم عند هؤلاء محالا ، وحينئذ لا يقتضي ما ذكرت .
النوع الثامن : في استعمال العام نفيا والخاص إثباتا .
وهو أبلغ وأدل على المقصود ، كقولنا « لا حيوان » يدل على أن لا إنسان ضرورة ؛ لاستلزام انتفاء اللازم انتفاء الملزوم ؛ كقولنا : « أن لا إنسان . . . لا يدل على انتفاء الحيوان ، إذ انتفاء الملزوم ، لا يدل على انتفاء اللازم ، وقولنا « إنسان » يدل على وجود الحيوان ؛ لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم ، وقولنا « حيوان » لا يدل على وجود