وعلمه ونحوهما ، إن أكد فزيادة مبالغة « 1 » ، وإن لم يؤكد ؛ فلاستغنائه بنفسه عن التوكيد ، وذلك لا يوجب نقض ما قلناه .
قلت : وهذا قريب ، ومثاله من جهة الحسّ : أن تبسط حصيرا والريح ساكنة ، تعلم قطعا أنها لا تقوى على إزالته ، فإما أن تنقله بأخرة ونحوه احتياطا ، وإما أن لا تنقله معه لما علمناه .
الوجه الثاني : وهو المختار ، أن قوله تعالى :
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ثناء منه على نفسه . وقوله :
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
حكاية لثناء عيسى عليه السلام ، وفرق بين ثناء العبد على سيده ، وثناء السيد على نفسه ؛ إذ قد تنزل فيه المبالغة لتمام تصرفه في نفسه من تلك الجهة ، والعبد ينبغي له المبالغة في ذلك ، وأقل مراتبه أن يكون حسن أدب ، ألا ترى أن الإنسان قد يثني على نفسه فيقول « لعمري لست بجبان ولا بخيل » ولو أثنى عليه عبده أو غيره بذلك ، لكان من حسن الأدب المبالغة فيه ، فيقول « إنك لأسد ثائر عند اللقاء ، بحر زاخر عند العطاء » ، ولهذا لما ضايق الأنصار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسألونه العطاء ، حتى خطفت الشجرة رداءه ، قال :
« ردّوا عليّ ردائي ، فوالذي نفسي بيده لو أن لي مثل هذه العضاة نعما ، لقسمتها فيكم ، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا » « 2 » . ولما وصفه بعض الصحابة رضي اللّه عنهم بذلك ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أجود بالخير من الريح المرسلة . وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة .
وقال علي رضي اللّه عنه : كنا إذا اشتد البأس اتّقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان
هامش
( 1 ) الجامع الكبير ص 155 .
( 2 ) هو رواية محمد بن جبير قال : أخبرني جبير بن مطعم : أنه بينما هو يسير مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه ، فوقف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
أعطوني ردائي ، لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا ، والعضاة : شجر ذو شوك . أخرجه البخاري . انظر فتح الباري - ابن حجر 6 / 375 ط مصطفى الحلبي .