تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
سمع رحمه اللّه تعالى من هؤلاء ، ومن الكثير الكثير من غيرهم في رحلته الواسعة ، ولكنه لم يكن وعاء يحشى بالمعارف ، وإنما كان العالم الناقد ، والرقيب الراصد لحركة الفكر وأساليب التربية في العالم الإسلامي ، يريد أن يعرف حركة العقيدة في النفوس ، ودرجة امتزاجها بها ، فهل استطاعت هذه النفوس أن تسمو فتصعد إلى علياء العقيدة تعيشها صافية ، وتفرزها أعمالا صالحة ، أم أن النفوس استطاعت أن نهبط بالعقيدة إلى حمأتها ، وأن تمرغها في أوحال شهواتها وزغباتها وأهوائها ؟ ! ! كان - رحمه اللّه - كالنحلة لا يحط رحاله إلا على الزهرة الفواحة يمتص رحيقها ، ولذا فقد اتصل بكل ذي باع في ميدان سامق من ميادين المعرفة ، فذكر له المزي رحمه اللّه تعالى ( 114 ) شيخا اختلفت مشاربهم وتنوعت معارفهم فتزود بعلومهم وخبراتهم في الحياة ، وأساليبهم في الدرس ، وسياستهم في التربية ، وإنني أضربت عن سرد أسمائهم لأن الحصول عليها أمر ميسور . وبإمكان من يود معرفتهم أن يعود إلى تهذيب الكمال وإلى غيره من كتب الرجال . لقد جمع معارف العصر وتمثلها فأصبح بالورع والتقوى آية ، وفي الفقه والعلم بحرا زاخرا ، وأصبح للزهد منارة يزهد الناس بالدنيا وهو بها زاهد ، ويستغني عن الناس ، وهم إليه محتاجون . وإن العالم عندما يستوي عوده ، وتنضج معارفه ، يذيغ صيته وتحيط فيه هالة من الجاذبية تجذب إليه طلاب العلم من شتى البلاد . وقد أصبح الدارمي رحمه اللّه قبلة لكثير من أهل العلم ، أحصى من تلامذته الحافظ المزي أربعين تلميذا ، ويكفيه فخرا أن مسلما روى عنه في صحيحه ، وأن البخاري شيخ الدنيا روى عنه في غير الصحيح .
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني ) — صفحة 41 | عبد الله بن الرحمن الدارمي / حسين سليم أسد الدّاراني