الروايات وفحص الأسانيد ، وتنقيد المتون ، فإنهم القُدْوةُ في هذا الفن ، والمعَوَّل عليهم فيه . وإذا كان في السند راوٍ لم نجد فيه توثيقاً ولا تضعيفاً عن أحدٍ من أئمة الجرحِ والتعديلِ ، لكنه مذكورٌ في " ثقات ابن حبان " ، فإنه لا يَخْرُج عن حدِّ الجهالة ولا يقوى حديثُه عندنا إلا بأحد أمرَيْنِ : الأول : أن ينصَّ ابنُ حبان على توثيقه ، كأن يقولَ : مستقيمُ الحديث ، أو ثقة ، أو صحيح الحديث . الثاني : أن يَروي عنه جماعةٌ ثلاثةٌ فما فوق ، ولم يرد عنه ما يقدح في ضبطه ، فقد قال الإمام الذهبي في " ميزان الاعتدال " 3 / 426 في ترجمة مالك بن الخير الزبادي تعليقاً على قول ابن القَطّان : هو ممن لم تَثبُتْ عدالتُه : يريد أنه ما نَصَّ أحدٌ على أنه ثقة ، وفي رواة " الصحيحين " عددٌ كثير ما عَلِمْنا أن أحداً نصَّ على توثيقهم ، والجمهورُ على أنَّ مَن كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ، ولم يأتِ بما يُنكر عليه أن حديثَه صحيحٌ « 1 » . وسيجدُ القارىءُ الكريمُ أننا قد خالَفْنا في تنقيد الرواة الحافظَ ابن حجرٍ وغيره من أئمة هذا الشأن فيما انتهوا إليه من أحكام على عددٍ غيرِ قليلٍ من
هامش
( 1 ) وقد تعقبه الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه السخاوي في " فتح المغيث " 1 / 296 بقوله : ما نسبه للجمهور لم يصرح به أحد من أئمة النقد إلا ابن حبان ، نعم هو حق فيمن كان مشهوراً بطلب الحديث والانتساب إليه . قلنا : وفي تعقُّبه هذا نظر ، فإنه ليس في كلام الإمام الذهبي ما يشير إلى تنصيص الجمهور على هذه القاعدة ، وإنما يُفهم منه أنه رحمه اللَّه قد استنبط هذه القاعدة من جملة أحاديث صححها الجمهور ، وفي أسانيدها رواة لم يؤثر توثيقهم عن أحد ، والحافظ نفسه رحمه اللَّه مع تعقُّبه للذهبي يتبع هذه القاعدة ، ويحكم بمقتضاها على أحاديث غير قليلة بالصحة أو الحسن كما هو معلوم لكل من ينظر في تخريجاته .