ظاهرة تداعي المعاني :
كانت السوانح الفكريّة التي تدعى واردات القلوب ، يمكن تفسيرها بظاهرة تداعي المعاني ( الشيء يذكر بالشيء ) « 1 » . فقد ينسبق إلى أذهان أصحاب المعالي لطائف أفكار وظرائف أنظار ، ولا منشأ لها سوى تلاوة آيات قرعت أسماعهم ، وإذا بدقائق هي رقائق الفكر سنحت لهم بالمناسبة ، ومن غير أن تكون مدلولة ذاتيّة للكلام ما عدى الفحوى العامّ .
فكم من طرائف فكر وظرائف عبر تسنح أذهان ذوي الاعتبار ، بمجرّد أن واجهوا حادثة أو شاهدوا واقعة أوقفتهم عند حدّها ، وألزمتهم حجّتها ، فأخذوا منها دروسا وعبرا ، وهكذا عند استماع تلاوة أو قراءة آية ذكّرتهم مكارم أخلاق ومبادي آداب ، كان كلّ ذلك من قبيل تداعي المعاني الخارج من دلالة اللفظ ذاته ، بل الشيء قد يذكر بالشيء حتى ولو كان ضدّه ، فضلا عمّا لو كان نظيره .
مثلا : عندما يستمع العارف السالك إلى قوله تعالى - خطابا مع موسى وهارون - :
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
« 2 » ، ينسبق إلى ذهنه بادرة ضرورة تهذيب النفس ، وارعوائها عن الطغيان والعصيان قبل كلّ شيء .
فيخاطب نفسه : ما بالك أنت منشغلا عن فرعنة نفسك الطاغية ؟ فاذهب إليها ، واجمع جموعك في تهذيبها وترويضها ، ولاطف معها بلين ، لعلّها تتّعظ وترعوي وترضخ لإرشادات العقل الحكيم .
فهذا لم يفسّر القرآن ولا جعل فرعون مرادا به النفس الأمّارة بالسوء ، ولا موسى
هامش
( 1 ) . حسب تعبير ابن الصلاح فيما يأتي من نقل كلامه .
( 2 ) . طه 20 : 43 .