والسؤال : كيف هذه الحيلولة ، وما وجه كونها عقوبة لمن نبذ أحكام الشريعة ؟
وللإجابة على هذا السؤال وقع اختلاف عنيف بين أهل الجبر وأصحاب القول بالاختيار ، كما تناوشها كلّ من الأشاعرة وأهل الاعتزال ، كلّ يجرّ النار إلى قرصه ، كما اختلف أرباب التفسير على وجوه أوردناها في الجزء الثالث من التمهيد ، عند الكلام عن المتشابهات ، ضمن آيات الهداية والضلال برقم ( 80 ) .
والذي رجحّناه في تأويل الآية ، هو معنى غير ما ذكره جلّ المفسّرين ، استفدناه من مواضع من القرآن نفسه : إنّ هذه الحيلولة كناية عن إماتة القلب ، فلايعي شيئا بعد فقد الحياة .
لا تعجبنّ الجهول حلّته * فذاك ميت وثوبه الكفن
الإسلام دعوة إلى الحياة ، وفي رفضها رفض للحياة ، تلك الحياة المنبعثة عن إدراكات نبيلة ، والملهمة للإنسان شعورا فيّاضا يسعد به في الحياة ، ويحظى بكرامته الإنسانيّة العليا .
أمّا إذا عاكس فطرته ، وأطاح بحظّه ، فإنّه سوف يشقى في الحياة ، ولم يزل يتخبّط في ظلمات غيّه وجهله
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
« 1 » .
فالإنسان التائه في ظلمات غيّه قد فقد شعوره ، وافتقد كرامته العليا في الحياة ، فهذا قد نسي نفسه وذهل عن كونه إنسانا ، يحسب من نفسه موجودا ذا حياة بهيميّة سفلى ، إنّما يسعى وراء نهمه وشبع بطنه ، لا هدف له في الحياة سواه .
وهذا التسافل في الحياة كانت نتيجة تساهله بشأن نفسه وإهمال جانب كرامته ، وهذا هو معنى قوله تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ
هامش
( 1 ) . البقرة 2 : 257 .