تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وإذا كان ذلك في ضمن قصة استمكنت في النفس ، واتجهت إلى مداخلها من غير تعويق من ملاحاة جديدة ، غير ما كان في عهد النبي الذي ذكرته القصة . ونظرة فاحصة في قصة شعيب - كما ذكرها القرآن - يتضح منها أنها دعوة صريحة إلى ناحية عملية تتصل بالإصلاح الاجتماعي ، ومنع الفساد في الأرض ، والقيام بحق الأمانة في التعامل . . وفي مواضع عدة - من قصة شعيب - نجده يكرر الدعوة ، ثم يبين سبحانه كيف تقاوم دعوة الحق بالإصرار على الشر ، وكيف كان الإصرار عليه إلى أن يديل اللّه تعالى بما ينزل بالعصاة ، وبما يؤدى إلى فساد أخلاق الأمة ، لقد قال اللّه تعالى - حكاية لقول شعيب :
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ، إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ، وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ . وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ الآيات : 84 - 86 من سورة هود ] ونرى من هذه المجاوبة أنهم يصرون على ما هم عليه ، ويعدون إرشادهم إلى الحق في المعاملة تدخلا في شؤونهم المالية ، وكأنهم يظنون أن شؤون المال لا صلة لها بالتدين ، كما يجرى على ألسنة بعض الذين لا يريدون بالدين الحق وقارا . ويبين شعيب ، أنه إذ ينهاهم - وهو أول من يتمسك بألا يفعل ما نهى عنه إذا يقول :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
وفي ذلك إشارة إلى أن من يدعو إلى أمر ، يهدمه إن خالفه في عمله ، وأن الاستجابة إلى الداعي إلى الخير تقتضى أن يكون الداعي مستجيبا له ، وهكذا . فإن اللّه تعالى يأخذ على بني إسرائيل أنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، فقد قال تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ البقرة : 44 ] صدق اللّه العظيم
دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 279 | أحمد جمال العمري