ألم يعلموا أن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ؟ وهم مع ذلك قد أعرضوا ونأوا ، واستكبروا وبغوا ، فكان جزاؤهم ما ذكره الحق سبحانه :
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
وحل بهم العذاب فجأة ، وهم في غيّهم سادرون ، وفي عمايتهم لاهون ، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون .
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ الأعراف : 96 ]
يخبر المولى - جل جلاله - عن قلة إيمان أهل القرى ، الذين أرسل فيهم الرسل ، كقوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
[ يونس : 98 ] أي آمنت قرية بتمامها إلّا قوم يونس فإنهم آمنوا وذلك بعد ما عاينوا العذاب . كما قال سبحانه :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
[ الصافات : 147 ، 148 ]
وقوله سبحانه :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
أي آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل ، وصدقت به واتبعوه ، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات
لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أي قطر السماء ونبات الأرض .
قال تعالى :
وَلكِنْ كَذَّبُوا - فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
أي ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم .
هذا نظام اللّه في الكون ، وتلك سنته مع الخلق قديما وحديثا ، فاعتبروا واتعظوا أيها الناس ، خاصة أنتم يا زعماء الشرك . . ولو أن أهل القرى ، التي كذبت رسلها ، ولم تؤمن بربها ، لو أنهم بدل الكفر آمنوا ، ومكان العصيان اتقوا ، لفتح اللّه عليهم أنواع الخير من السماء والأرض ، كالعلوم والهداية ، والوحي