وهذه المناسك أبقى عليها الإسلام تماما ، وعلمنا إياها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في حجة البلاغ أو حجة الوداع - وقال : « لتأخذوا عنّى مناسككم » [ متفق عليه ] ، وهي : الطواف ، والسعي ، والوقوف بعرفة ، ورمى الجمار ، وذبح الهدى . . . إلخ .
وكانت كل شعيرة من هذه الشعائر ترتبط بموقف كان إبراهيم طرفا فيه ، أو ابنه إسماعيل ، أو زوجته هاجر .
فالسعى : تخليد لذكرى سعى هاجر أم إسماعيل جدّ العرب ، وتردادها بين جبلى الصفا والمروة ، وهي حائرة ملتاعة تبغى إنقاذ وليدها إسماعيل من العطش .
والشرب من زمزم : تخليد لذكرى شربها وهي ظمآنة ، بعد أن أنزل اللّه جبريل عليه السلام ، ليقول لها : لا تخافي الضيعة ، فإن ههنا بيتا للّه يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن اللّه لا يضيع أهله .
وذبح الهدى والأضحية : حيث يتقرب بها المسلم إلى ربه عز وجل لتكون تكفيرا لما جنته يداه من الذنوب والآثام هي في الوقت نفسه تخليد يحمل في طياته ( ذكرى الفداء ) ذكرى إقدام الخليل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - على ذبح ولده ، امتثالا لأمر ربه ، حين أمره بذبح ولده - في المنام - اختبارا لقوة إيمانه ، ومقدرته على تحمّل التضحية ، والصبر على البلاء المبين ، حين بشّر بغلام حليم :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ، فَانْظُرْ ما ذا تَرى ؟ قالَ : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ . كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
[ الصافات : 102 - 110 ]