تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
عال في الأرضين ، أو في السماوات ، ولكنه قريب من كل إنسان ولم يكن ( يهوا ) إله إبراهيم ، لأن قوم إبراهيم لم يذكروا ( يهوا ) من بعده قبل خروجهم إلى سيناء ، كما صرحت بذلك التوراة الأولى ، ولكنه كان هو الإله ( الإيل ) وإليه ينسب ابنه ( إسماعيل ) . وكان هو العلىّ ( عليون ) وعلى محرابه قدم قربانه إلى ملكي صادق بعد نزوله بكنعان ، فهو إله لا فرق عنده بين وطن قديم ، أو وطن جديد ، ولا فضل لديه لعشيرة إبراهيم على عشيرة ملكي صادق ، ولا على غيرها من عشائر بني آدم بغير التقوى والإيمان » . كانت دعوة إبراهيم الخليل - صلّى اللّه عليه وسلّم - صرخة تسمع وتتجاوب بها الآفاق ، ولم تكن لغزا يخفى وتتحاجى به العقول ، كانت صحبة البيت والطريق ، وصحبة اليقظة والمنام ، وصحبة العزلة والجماعة ، وصحبة الحياة قبل الميلاد وبعد الميلاد ، ولم تزل حتى أصبحت صحبة الخلود الذي لا يعرف الفناء . ولم يصبح كذلك قبل رسالة النبوة ، حين انبعث بها النبي أبو الأنبياء ، حين بشّر بها إبراهيم ، وما كان لنبوّة واحدة أن تؤدى رسالة التوحيد ، وتفرغ منها في عمر رجل ، أو عمر جيل ، وإنما هي نبوة بعدها نبوّات فما من عقيدة دينية ظهرت للناس طفرة بغير سابقة ، وما من عهدين من عهود الإيمان إلّا وبينهما تمهيد وتعقيب ، ولكن الأمانة التي اضطلع بها الخليل إبراهيم حادث جديد ، لم تعرف له سابقة فيما وعيناه من تاريخ الأديان ، ذلك الحادث الجديد هو أمانة الرسالة النبوية ، أمانة نفس حيّة تخاطب نفوسا حيّة باسم الإله ، الذي يتوجه إليه عباده في كل مكان ، أمانة نفس تخاطب النفوس ، ولا تخاطبهم من وراء المحاريب والهياكل ، ولا بسلطان من نظام الدولة أو الكهانة ، ولكنها نداء ضمير إلى ضمير .