تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
أما القول في
كَلَّا ،
فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام - طيب اللّه ثراه - لتكون على بصيرة من أمرك . قال رحمه اللّه تعالى : وهي عند سيبويه ، والخليل ، والمبرد ، والزجاج ، وأكثر البصريين حرف معناه الردع ، والزجر ، لا معنى لها عندهم إلا ذلك ، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها ، والابتداء بما بعدها ، وحتى قال جماعة منهم : متى سمعت ( كلّا ) في سورة ؛ فاحكم بأنها مكية ؛ لأن فيها معنى التهديد ، والوعيد ، وأكثر ما نزل ذلك بمكة ؛ لأن أكثر العتو كان بها ، وفيه نظر ؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها ، لا عن غلبته ، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتو سابق ، ثم لا يظهر معنى الزجر في
كَلَّا
المسبوقة بنحو قوله تعالى :
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
وقوله جل شأنه :
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
وقوله جل ذكره :
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ .
وقولهم : المعنى : انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي : صورة ما شاء اللّه ، وبالبعث ، وعن العجلة بالقرآن تعسف ؛ إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نفي ذلك عن أحد ، ولطول الفصل في الثالثة بين كلّا وذكر العجلة . وأيضا : فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق ، ثم نزل قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
فجاءت في افتتاح الكلام ، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلها في النصف الأخير ( وذلك في خمس عشرة سورة منه ، وكلها مكية ) . ورأى الكسائي ، وأبو حاتم ، ومن وافقهما : أن معنى الردع ، والزجر ليس مستمرّا فيها ، فزادوا فيها معنى ثانيا ، يصح أن يوقف دونها ، ويبتدأ بها ، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال : أحدها للكسائي ومتابعيه : قالوا : تكون بمعنى : حقّا ، والثاني : لأبي حاتم ، ومتابعيه : قالوا : تكون بمعنى : « ألا » الاستفتاحية ، والثالث : للنضر بن شميل ، والفراء ، ومن وافقهما : قالوا : تكون حرف جواب بمنزلة : « إي » ونعم ، وحملوا عليه قوله تعالى :
كَلَّا وَالْقَمَرِ
فقالوا : معناه : إي والقمر . قول أبي حاتم عندي أولى من قولهما ؛ لأنه أكثر اطرادا ، فإن قول النضر لا يتأتى في آيتي ( المؤمنون ) و ( الشعراء ) على ما سيأتي ، وقول الكسائي لا يتأتى في نحو قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ
وقوله :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ
وقوله جل شأنه :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
لأن همزة « أنّ » تكسر بعد ألا الاستفتاحية ، ولا تكسر بعد حقا ، ولا بعد ما كان بمعناها ، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم ، وأما قول مكيّ : إن « كلّا » على رأي : الكسائي اسم إذا كانت بمعنى : « حقا » فبعيد ؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية ، والحرفية قليل ، ومخالف للأصل ، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها ، وإلّا فلم نوّنت ؟ ! وإذا صلح الموضع للردع ، ولغيره جاز الوقف عليها ، والابتداء بها على اختلاف التقديرين ، والأرجح حملها على الردع ؛ لأنه الغالب فيها ، وذلك نحو قوله تعالى في سورة ( مريم ) :
أَطَّلَعَ