تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 31 ]

وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) الشرح :
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً :
نفاعا للناس ، أعلمهم الخير ، وأرشدهم إلى جميل الأفعال ، وكريم الأخلاق .
أَيْنَ ما كُنْتُ :
في أي مكان ، وجدت وحللت فيه .
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
أي : أمرني بأدائهما إذا أدركني التكليف ، وأمكنني أداؤهما . وقيل : إن اللّه صيره بالغا عاقلا مكلفا حين انفصل من أمه .
ما دُمْتُ حَيًّا :
فهذا يفيد : أنه مكلف في جميع أدوار حياته حين كان في الأرض ، وحين رفع إلى السماء ، وحين ينزل إلى الأرض في آخر الزمان ، هذا ، أو يراد بالزكاة المذكورة تطهير النفس من الرذائل ، والأفعال الذميمة . هذا ؛ والتعبير بلفظ الماضي ، إما باعتبار ما سبق في قضائه تعالى ، أو بجعل المحقّق وقوعه كالواقع . هذا ؛ و ( الصلاة ) في اللغة : الدعاء ، والرحمة ، والعبادة ، وهي في الشرع : أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير ، مختتمة بالتسليم ، ولها شروط وأركان ، ومبطلات ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي ، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
هذا ؛ ويكثر في القرآن لفظ
أَقِمِ الصَّلاةَ *
و
وَأَقامَ الصَّلاةَ *
و
يُقِيمُونَ الصَّلاةَ *
والمعنى : أدّ الصلاة كاملة في أوقاتها ، وحافظ على طهارتها ، وركوعها ، وسجودها ، وخشوعها ، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل ، يقال عنه صلى ، ولا يقال : أقام الصلاة . أما ( الزكاة ) فهي في اللغة : التطهير ، والنماء ، وفي الشرع اسم لمال مخصوص يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [ 60 ] من سورة ( التوبة ) وانظر
أَضاعُوا الصَّلاةَ
في الآية [ 58 ] الآتية . هذا ؛ وخص الصلاة والزكاة بالذكر ؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية ، وشرعت لذكر اللّه ، والزكاة أفضل العبادات المالية ، ومجموعهما التعظيم لأمر اللّه ، والشفقة على خلق اللّه . هذا ؛ وأضيف : أن الزكاة قرينة الصلاة ، فقد روي : أن أعرابيا جاء إلى ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، فقال له : يا ابن عباس ، أنت حبر الأمة ، وترجمان القرآن علمك اللّه أسرار الكتاب ، وفقهك في الدين ، فقل لي بربك : لماذا قرن اللّه الصلاة إلى الزكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية ؟ فقال ابن عباس ذلك لتعلم : أن الصلاة ، والزكاة توأمان ، لا يقبل اللّه إحداهما بدون الأخرى ، تلك حق اللّه ، وهذه حق الناس . ورضي اللّه عن الصديق الذي سوى بين المرتدين ومانعي الزكاة في القتال ، والمحاربة ، كما هو مشهور ، وخذ قول أحمد شوقي رحمه اللّه تعالى : [ الوافر ]
ولم أر مثل جمع المال داء * ولا مثل البخيل به مصابا
عجبت لمعشر صلّوا ، وصاموا * ظواهر خشية وتقى كذابا