تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
تتهددها الرمال ، أقاموا سلسلة من أسوار خارج بعضها ، وفي امتداده هذا غالب ثلاث صعوبات : الجبال الشاهقة ، والصحارى الرملية المجدبة ، وطبقات الأرض الهشة ( اللويس ) . والعجيب : أني لما زرت مقبرة هذا الإمبراطور في مدافن أسرة منج رأيت الناس يقذفونها بالحجارة ، فخلتهم يذكرونه بانتصاره على الصخور ، التي أقام بها سوره العظيم ، على أني علمت أنهم يأتون ذلك حطا من شأنه ، واحتقارا له ؛ لأنه امتهن تقاليد أجداده ، وأهان العلم ، وأهله حتى إنهم لم يلقبوه بباني السد ، بل بمبيد الكتب العلمية ، ويذهل المرء كيف استطاع الإمبراطور أن يزود السور بالجنود لحراسته ، على طول امتداده ، ومن العجيب : أنه لم يغن عنهم في الدفاع فتيلا ؛ إذ اخترقه جنكيز خان سنة 1912 ، وكذلك لم يرد غارات المانشو بعد ذلك ، ولا يعزو القوم ذلك إلى ضعف في السور نفسه ، بل إلى خمود الروح العسكرية بين أفراد شعوب الصين الزراعية ، على أني لما ألقيت على السور نظرة الوداع مرّ بخاطري مظهر الهرم الأكبر ، فبدا السور بجانبه ضئيلا ، لم يشعرني بالرهبة ، والذهول التي يوحيها هرمنا . انتهى بحروفه . ممّا تقدم يلاحظ أنّ الرحالة أهمل ذكر السد في القرآن الكريم ، وأنّ جعله دكّاء إنما هو من علامات الساعة الكبرى ، بل هو من مقدماتها ، وأنه استبدل اسم ذي القرنين الرجل الصالح ، المختلف في نبوته المؤيد من ربه ، الموفق في أعماله باسم الإمبراطور ( شي هوانج تي ) واستبدل زهده ، وورعه ، وتقواه بكلفه في المباني الضخمة ، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس ، واستبدل التماس الناس المجاورين لقوم يأجوج ومأجوج منه إقامة السد بقهر الناس وظلمهم ، واستعمالهم بالسد ظلما ، وعدوانا ، حتى أطلق على السد اسم ( أطول مقابر الدنيا ) لكثرة من ماتوا في بنائه . واستبدل حبه للعلم ، وتعظيمه للعلماء بحرق كتب العلم ، وفلسفة كنفوشيوس ، ومعاقبته للعلماء ، وإهانة العلم وأهله ، حتى إن الناس لم يلقبوه بباني السد ، بل بمبيد الكتب العلمية ، واستبدل إتمامه للسد ، وقوله :
هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي
بأن بناءه لم يتم إلا في عهد ليوبانج من أسرة هان ، وفي عهد أسرة منج دعم السور ، وزيد في طوابيه ( سبحانك ربي هذا بهتان عظيم ) ولولا كلمته في أول مقاله ( سد يأجوج ومأجوج ) ما أخذت عليه هذه الملاحظات واعتبرت مقاله عن سد غير سد ذي القرنين ، واعتبرت سد ذي القرنين لا يزال في العالم المجهول ، وفي علم اللّه الواحد الأحد ، استجابة لقوله تعالى :
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
رقم [ 96 ] من سورة ( الأنبياء ) ، وقوله تعالى حكاية عن قول ذي القرنين في هذه السورة :
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا .
ولعل الرحالة لم يؤمن بما في القرآن ، ولم يعتقد بيوم القيامة ، وما يسبقه من علامات ، بل ومن مقدمات ، ولا حول ، ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، عليه