تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
حللنا محطة السور الأعظم ، وهناك أقّلتنا الحمير ، وسارت بنا في واد كأنه وادي الملوك ، صخوره نارية ، وحره قائظ ، أدى بنا إلى السور ، فاعتليناه ، فبدت روعته في تغضنه ، وامتداده ، إلى الآفاق ، وهو يتلوّى كالأفعى ، وقد لبثت أسير فوقه ساعتين ، والذكريات التاريخية المجيدة تمر بالخاطر ، فتكبر القوم تارة ، وتحط من قدرهم أخرى ؛ إذ كان يتجلّى جبروت الإنسان ، وبطشه بأخيه الإنسان ، وتسخيره فيما لا ينفع . وقد قرر الخبيرون : أن السور أضخم عمل أنجزته يد الإنسان ، يفوق الهرم ، وحدائق بابل المعلقة ، وهو يطوق الصين من الشمال مبتدئا من البحر ( عند شاي هاي كواي على خليج لياوتونج ) إلى ممر كيايو في التيبت ، وطوله في استقامة 1255 ميلا ، وبتعرجاته ، وشعابه 1500 وعلوه يتراوح بين 15 - 30 قدما ، وعرضه في أعلاه 15 وفي أسفله 25 به 25 ألف برج حربي ، و 15 ألف برج للحراسة ، وكأن الصين قد اختصت في بناء الأسوار حتى قال بعضهم : إننا لو جمعنا أسوارهم كلها لطوقنا الكرة الأرضية . أمر بإقامته الإمبراطور ( شي هوانج تي ) الذي اعتلى الملك سنة 221 قبل الميلاد ، ومحا نظام الإقطاع ، وقسم البلاد إلى مديريات ، وكان كلفا بالمباني الضخمة ، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس ، رأى هذا العاهل مناما أنذره أن الخطر مقبل من الشمال ، وقد أيد التاريخ ذلك ، فإن كل ما قاسته الصين من المغيرين جاء من تلك الناحية ، فأرغم من الناس ثلث الرجال القادرين في الصين كلها ، وكثيرا ما عاقب العلماء ، وألزمهم بالعمل في السور ؛ لأنهم ناوؤوه . وقيل : إنه أحرق كتب العلم ، وفلسفة كنفوشيوس لما أن رأى الناس يجلونها ، ويكبرون العلماء أكثر من إكبارهم للبراطرة . ويطلق القوم على السور أحيانا اسم ( أطول مقابر الدنيا ) لكثرة من ماتوا في بنائه ، ولم يتم بناء السور إلا في عهد ليو بانج من أسرة هان ، وفي عهد أسر منج دعم السور ، وزيد في طوابيه ، ولعظيم هذا العمل أحاطه الناس في جميع العصور بخرافات ، لا تزال عالقة بالأذهان ، منها : أن الإمبراطور كان ساحرا ماهرا ، وكان يمتطي جوادا سماويا اختط طريقه ، وكان له سوط سحري ، استطاع به أن يزيل الجبال ، وينظم صرف مياه الهوانج هو ، وكان يستخدم مردة الجن في جلب الأحجار ، ويخال البعض أن كنوز البراطرة دفنت بين طياته ، والكثير يعتقد : أن السور أقيم سدا في وجه الجن ، لا الآدميين ويؤيدون ذلك بكثرة المعبودات البشعة ، التي توضع على منافذ السور كلها ، وممّا أثار دهشتي : أن السور يختط ، أوعر المسالك ؛ إذ يسلك الجبال ، والربى العاتية ، وهذا يتطلب مجهود الجبابرة . وقال البعض : إن الأبراج كانت تقام أولا ، ثم يوصل ما بينهما ، وعند ممر نانكاو ، الذي وقفنا قبالته ، كان يعلو السور فوق مستوى البحر بنحو أربعة آلاف قدم وفي البقاع التي كانت