[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 106 ]
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ( 106 )
الشرح :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
أي : بينا حلاله ، وحرامه ، أو فرقنا بين الحق والباطل ، وهو بتخفيف الراء ، وقرأ علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وجماعة بتشديد الراء ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن التضعيف للتكثير ؛ أي : فرقنا آياته بين أمر ونهي ، وحكم ، وأحكام ، ومواعظ ، وأمثال ، وقصص ، وأخبار ماضية ، ومستقبلة ، انظر الآية رقم [ 111 ] من سورة ( يوسف ) تجد ما يسرك و [ 41 ] من هذه السورة . والثاني : أنه دال على التفريق ، والتنجيم ، ومعلوم : أن القرآن نزل مفرقا منجما في ثلاث وعشرين سنة على حسب مقتضيات الأحوال . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 184 ] من سورة ( البقرة ) ، ويؤيد التفسير الثاني : قوله :
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ :
على مهل ، وتؤدة ، فإنه أيسر للحفظ ، وأعون في الفهم . وقيل :
عَلى مُكْثٍ :
على ترسل في التلاوة .
قاله مجاهد ، وابن عباس ، وابن جريج ، فيعطي القارئ القراءة حقها من ترتيلها ، وتحسينها ، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين ، ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة ، أو نقصان . هذا ؛ والمكث في الأصل مصدر : مكث ، يمكث ، بمعنى : أقام يقيم . قال الكميت يذم ولاة السوء : [ الطويل ]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم * فحتّام حتّام العناء المطوّل ؟
و ( المكث ) بضم الميم ، وتكسر . وهذا على : أنه اسم ، وأما المصدر ، فإن كان فعله من باب : نصر ، فهو بضم الميم أيضا ، وإن كان من باب : كرم فهو بفتح الميم .
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
أي : نجما بعد نجم ، انظر الآية رقم [ 89 ] من سورة ( النحل ) لترى الفرق بين نزلنا ، وأنزلنا . وانظر ( نا ) في الآية رقم [ 21 ] من سورة ( الحجر ) . وانظر شرح القرآن في الآية رقم [ 1 ] منها .
الإعراب :
وَقُرْآناً :
الواو : حرف عطف . ( قرآنا ) مفعول به لفعل محذوف ، يفسره المذكور بعده ، أو هو مفعول به لفعل محذوف ، التقدير : وآتيناك قرآنا .
فَرَقْناهُ :
فعل ، وفاعل ، ومفعول به ، والجملة مفسرة على الوجه الأول ، لا محل لها ، وفي محل نصب صفة ( قرآنا ) على الوجه الثاني فيه .
لِتَقْرَأَهُ :
مضارع منصوب ب : « أن » مضمرة بعد لام التعليل ، والفاعل مستتر تقديره : « أنت » ، والهاء مفعول به ، و « أن » المضمرة ، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام ، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما .
عَلَى النَّاسِ :
متعلقان بما قبلهما .
عَلى مُكْثٍ :
متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر ، وجملة :
وَقُرْآناً . . .
إلخ على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها ، لا محل لها مثلها ، وجملة :
وَنَزَّلْناهُ
معطوفة عليها .
تَنْزِيلًا :
مفعول مطلق .