اعتبرت ( من ) اسما موصولا فالجملة بعدها صلتها ، وهي مبتدأ ، والخبر جملة :
فَقَدْ جَعَلْنا . . .
إلخ وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم .
فَلا :
الفاء : هي الفصيحة . ( لا ) : ناهية .
يُسْرِفْ :
مضارع مجزوم بها ، والفاعل يعود إلى الولي .
فِي الْقَتْلِ :
متعلقان به ، والجملة الفعلية لا محل لها ؛ لأنها جواب شرط غير جازم ؛ إذ التقدير :
وإذا كان ذلك حاصلا للولي ؛ فلا يسرف ، والجملة الاسمية :
إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً
لا محل لها ؛ لأنها تعليل للنهي ، والكلام
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً . . .
إلخ معترض بين المتعاطفين .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 34 ]
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ( 34 )
الشرح :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ
أي : فضلا عن أن تتصرفوا فيه بالأكل والاستيلاء عليه . وانظر الآية [ 32 ] .
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ :
إلا بالطريقة التي هي أحسن ، وهي صلاحه وتثميره ، وتحصيل الربح له ، وهذا إذا كان القيم على مال اليتيم غنيا غير محتاج إليه ، فلو كان الوصي ، أو القيم فقيرا ، فله أن يأكل بالمعروف . قال تعالى :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ .
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ :
فقد اختلف في الأشد على أقوال كثيرة ، والمراد : بالأشد في هذه الآية وأمثالها هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد ، وهو قوله تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
هذا ؛ وتخصيص اليتيم بالذكر بالنهي عن أكل ماله ، مع أن حال البالغ وماله كذلك ؛ لأن طمع الطامعين فيه أكثر لضعفه ، ولعظم إثمه ، ولأن البالغ يستطيع الدفاع عن ماله ما أمكنه ؛ لذا فقد عد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أكل مال اليتيم من السبع الموبقات . وخذ ما يلي : فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اجتنبوا السبع الموبقات . قالوا : يا رسول اللّه ! وما هنّ ؟
قال : « الشّرك باللّه ، والسّحر ، وقتل النّفس التي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ، وأكل الرّبا ، وأكل مال اليتيم ، والتّولّي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » . رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي . وعن أبي برزة - رضي اللّه عنه - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجّج أفواههم نارا » . فقيل من هم يا رسول اللّه ؟ ! قال : « ألم تر أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً » .
رواه أبو يعلى ، وهذه الآية هي رقم [ 10 ] من سورة ( النساء ) ، انظرها ، ففيها بحث جيد يسرّك .
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ
أي : بما عاهدكم اللّه به من تكاليفه ، وأوامره ، ونواهيه ، أو ما عاهدتموه عليه ، وقطعتموه على أنفسكم من نذر ، ونحوه ، أو عاهدتم أحدا من الناس . وانظر الآية رقم [ 22 ] من سورة ( الرعد ) تجد ما يسرك .
إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
أي : مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ، ويفي به ، أو مسؤولا عنه ، يسأل الناقض للعهد ، ويعاقب عليه ، أو يسأل