تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
التوكل ؛ فهو : الانقطاع عن الخلق بالكلية ، والتوجه إلى الحق تعالى بالكلية . فالأول : مبدأ السلوك إلى اللّه تعالى ، والثاني : هو آخر الطريق ، ومنتهاه ، والتوكل : تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره ، ويقدر على نفعه وضره . وقالوا : المتوكل من إن دهمه أمر ، لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية للّه ، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة ، ثم سأل غيره خلاصه منها ، لم يخرج عن حد التوكل ؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية اللّه ، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة . الإعراب :
الَّذِينَ :
بدل من سابقه . وقيل : هو بدل من الضمير المنصوب . وقيل : هو خبر مبتدأ محذوف . وقيل : منصوب بفعل محذوف ، وجملة :
صَبَرُوا
مع المتعلق المحذوف صلة الموصول .
وَعَلى رَبِّهِمْ :
متعلقان بما بعدهما ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه ، والجملة الفعلية : « يتوكلون على ربهم » معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها ، والظاهر واللّه أعلم : أن المعنى على المضي ، والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة ؛ حتى كأن السامع يشاهدها .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 43 ]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) الشرح :
وَما أَرْسَلْنا :
إلى قوله تعالى :
إِلَيْهِمْ :
هذا رد لقول قريش حيث أنكروا نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقالوا : اللّه أعظم وأجل من أن يكون رسوله بشرا ، فهلا بعث ملكا إلينا ، وانظر الآية رقم [ 109 ] من سورة ( يوسف ) عليه السّلام ، ففيها كبير فائدة ، والمعنى هنا ، وهناك أن سنة اللّه عز وجل جارية من أول مبدأ الخلق أنه لم يبعث إلا رسولا من البشر ، فهذه عادة مستمرة ، وسنة جارية قديمة .
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
أي : أهل الكتاب ، وهم علماء اليهود ، والنصارى ، وإنما أمرهم اللّه بسؤال أهل الكتاب ؛ لأن كفار مكة كانوا أميين ، ويعتقدون : أنّ أهل الكتاب أهل علم ، وقد أرسل اللّه إليهم رسلا منهم ، مثل : موسى ، وعيسى ، وغيرهما من الرسل ، وكانوا بشرا مثلهم .
إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ذلك . وفي الآية الكريمة دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ، ولا ملكا ، ولا جنّيّا للدعوة العامة ، وفي آية ( يوسف ) زيادة
مِنْ أَهْلِ الْقُرى
واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه ، وينبغي أن تعلم : أن الآية الكريمة إنما أمرت كفار قريش الأميين أن يسألوا أهل العلم من اليهود ، والنصارى عما هم جاهلون به ، فالأحرى بالجاهلين من المسلمين أن يسألوا علماء المسلمين عن أمور دينهم ، وعمّا هم جاهلون به من أمر الدنيا والآخرة ، فخصوص السبب لا يمنع التعميم في كل زمان ومكان ، ولولا ذلك لما كنا مكلفين بالجهاد وغير ذلك مما هو من واجبات الدين .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 193 | الشيخ محمد علي طه الدرة