وفي الآية الكريمة تمثيل لسرعة الإيجاد عند تعلق الإرادة الإلهية ، وليس هناك أمر حقيقة ، ولا كاف ، ولا نون ، وإلا لو كان هناك أمر لاعترض بأن يقال : إن كان الخطاب للشيء حال عدمه ، فلا يعقل ؛ لأن خطاب المعدوم لا يعقل ، وإن كان بعد وجوده ففيه تحصيل الحاصل ، وإنما المراد من التمثيل تصوير سرعة الحدوث ، والإيجاد بما لا يتجاوز أمده النطق بلفظه : « كن » وما أسهلها ! .
بعد هذا خذ ما يلي ، عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يقول اللّه تبارك وتعالى : يشتمني ابن آدم ، وما ينبغي له أن يشتمني ، ويكذّبني وما ينبغي له أن يكذّبني ، أما شتمه إيّاي ، فيقول : إنّ لي ولدا ، وأمّا تكذيبه إيّاي ، فقوله : ليس يعيدني كما بدأني » . وفي رواية :
« كذّبني ابن آدم ، ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، أما تكذيبه إياي ، فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته ، وأمّا شتمه إياي ، فقوله : اتّخذ اللّه ولدا ، وأنا الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد » . رواه البخاري .
هذا والإرادة : نزوع النفس ، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه ، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع ، والأول : مع الفعل ، والثاني : قبله ، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى به ؛ ولذا اختلف في معنى إرادته ، فقيل : إرادته لأفعاله أنه غير ساه ، ولا مكره ، ولأفعال غيره أمره بها ، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته . وقيل : علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل ، والوجه الأصلح . وهذا الأخير هو المقبول ؛ لأن اللّه لا يأمر بالفحشاء ، ولا يرضى لعباده الكفر .
الإعراب :
إِنَّما :
كافة ومكفوفة .
قَوْلُنا :
مبتدأ ، و ( نا ) : في محل جر بالإضافة ، من إضافة المصدر لفاعله .
لِشَيْءٍ :
متعلقان بالقول .
إِذا :
ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب :
قَوْلُنا
أيضا .
أَرَدْناهُ :
فعل ماض ، وفاعله ومفعوله ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة
إِذا
إليها ، والمصدر المؤول من :
أَنْ نَقُولَ لَهُ
في محل رفع خبر المبتدأ ، وهو نفس المبتدأ ، وساغ ذلك لاختلاف متعلقهما على حد قوله تعالى :
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ
وقال أبو النجم : [ الرجز ]
أنا أبو النّجم وشعري شعري * للّه درّي ما يجنّ صدري
كُنْ :
أمر تام ؛ لأنه بمعنى : احدث ، وفاعله مستتر تقديره : « أنت » والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول .
فَيَكُونُ :
الفاء : حرف عطف . ( يكون ) : مضارع تام مرفوع ، وفاعله يعود إلى شيء ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة تفصح عنه الفاء ، وينسحب عليه الكلام ؛ أي : فنقول ذلك ، فيكون ، كقوله تعالى :
وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ،
وإما جواب لشرط محذوف ؛ أي : فإذا قلنا ذلك ؛ فهو يكون . انتهى . جمل . وهذا يفيد : أن الفاء الفصيحة . وقال غيره : الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف ، التقدير : هو يكون ،