تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 717

مساهمون:

ص٧١٧
أهل الصبر ، فيقوم ناس من الناس ، فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة ، فتتلقاهم الملائكة ، فيقولون : إلى أين ؟ فيقولون : إلى الجنة ، قالوا : قبل الحساب ، قالوا : نعم ، فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل الصبر ، قالوا : ما كان صبركم ، قالوا : صبرنا أنفسنا على طاعة اللّه ، وصبرناها عن معاصي اللّه ، وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا ، قال علي بن الحسين ، فتقول لهم الملائكة : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ، وقال ابن سلام : فتقول لهم الملائكة :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ
. هذا ؛ وقيل :
بِما صَبَرْتُمْ
أي : على الجهاد في سبيل اللّه . فعن عبد اللّه بن عمرو - رضي اللّه عنهما - ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هل تدرون من يدخل الجنة من خلق اللّه ؟ » . قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : « المجاهدون ، الذين تسدّ بهم الثّغور ، وتتّقى بهم المكاره ، فيموت أحدهم ، وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء ، فتأتيهم الملائكة ، فيدخلون عليهم من كلّ باب ، فيقولون : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار » . وينبغي أن تؤول قوله عليه الصلاة والسّلام : « هل تدرون من يدخل الجنة » . أي : في الأول ، وبدون حساب ، وإلا فجميع المؤمنين يدخلون الجنة بعد الحساب ، وانظر قوله تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ *
في الآية رقم [ 10 ] من سورة ( يونس ) عليه السّلام ، وانظر الآية رقم [ 61 ] من سورة ( مريم ) عليهاالسّلام ، هذا ؛ والحديث المذكور في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ، بأوسع من هذا ؛ وبإبدال ( المجاهدون ) ب ( الفقراء المهاجرون ) . تأمل .
فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
: انظر الآية رقم [ 24 ] لشرح عقبى الدار ، وأما نعم فهي فعل ماض لإنشاء المدح ، وضدها ( بئس ) ماض لإنشاء الذم : فنعم منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين ، إذا أصاب النعمة ، و ( بئس ) منقول من : بئس فلان بفتح الباء وكسر الهمزة ، إذا أصاب بؤسا ، فنقلا إلى المدح والذم ، فشابها الحروف ، فلم يتصرفا ، وفيهما أربع لغات : نعم وبئس بكسر وسكون وهي أفصحهن ، وهي لغة القرآن ، ثم نعم وبئس ، بكسر أولهما وثانيهما ، غير أن الغالب في نعم أنه يجيء بعدها ( ما ) كقوله تعالى :
نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ
وبئس جاءت بعدها ( ما ) على اللغة الأولى الفصحى ، كقوله تعالى :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
واللغة الثالثة : نعم وبئس بفتح فسكون ، والرابعة نعم وبئس بفتح فكسر ، وهي الأصل فيهما . ولا بد لهما من شيئين : فاعل ، ومخصوص بالمدح أو الذم ، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين ، والكسائي ، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل » . وقال الكوفيون إلا الكسائي : هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي ، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له : ( واللّه ما هي بنعم الولد ، نصرها بكاء ، وبرّها سرقة ) ، وقول غيره : ( نعم السّير على بئس العير ) .