تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 719

مساهمون:

ص٧١٩

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 25 ]

وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 ) الشرح :
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
: لما ذكر اللّه أحوال السعداء ، وما أعد لهم من الكرامات والخيرات ، ذكر بعده أحوال الأشقياء ، وما أعد لهم من العقوبات ، ومعنى
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
من بعد ما أوثقوه على أنفسهم بالاعتراف بربوبيته ، والقبول لعهده الذي أخذه عليهم في عالم الذر ، أو بالذي أودعه فيهم من العقول ، وغيرها مما ميزوا به عن عالم الحيوانات والجمادات ،
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
أي : من الإيمان بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصلة الأرحام ، وموالاة المؤمنين ، وعدم التفرقة بين الرسل والكتب في التصديق .
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
: بالكفر والمعاصي والظلم وإثارة الفتن .
أُولئِكَ
أي : الموصوفون بما ذكر .
لَهُمُ اللَّعْنَةُ
أي : الطرد من رحمة اللّه .
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
أي : سوء المنقلب والمرجع والمآب ، وهو جهنم وبئس القرار . تنبيه : لقد كرر اللّه لعن الكفار في الآية رقم [ 161 ] من سورة ( البقرة ) ، كما لعن الظالمين والكاذبين ، والناقضين للعهد والميثاق في آيات متفرقة ، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره فقد استحق اللعن من اللّه والناس أجمعين ، وأما الأحياء من الكفار فقد قال العلماء : لا يجوز لعن كافر معين ؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم ، فلعله يموت على الإسلام ، وقد شرط اللّه في آية البقرة إطلاق اللعنة على من مات على الكفر ، ويجوز لعن الكفار ، أي : جملة بدون تعيين ، كما في قولك : لعن اللّه الكافرين ، يدل عليه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشّحوم ، فجمّلوها وباعوها » . وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار ، بدليل جواز قتاله . وهو الصحيح ، كيف لا ؟ وقد لعن حسان بن ثابت رضي اللّه عنه أبا سفيان ، وزوجه هندا في شعره ولم ينكر عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك ، خذ قوله : [ الكامل ]
لعن الإله وزوجها معها * هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق - رضي اللّه عنه - أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور السلمي وغيرهم الذين قدموا المدينة ، بعد موقعة أحد ، وقد أعطاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأمان على أن يكلموه ، فقام معهم جماعة من المنافقين ، وقالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ارفض ذكر آلهتنا ، وقل : إن لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربك ، فشق ذلك على سيد الخلق وحبيب الحق ، فقال الفاروق : يا رسول اللّه ائذن لي في قتلهم ، فقال : « إني أعطيتهم الأمان » . فقال الفاروق : اخرجوا في لعنة اللّه وغضبه ، ولم ينكر عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك ، كيف لا ؟ وآية اللعان في سورة ( النور ) تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين .