تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 701

مساهمون:

ص٧٠١
والقول الثاني في معنى هذا السجود : هو الانقياد والخضوع ، وترك الامتناع ، فكل من في السماوات ، ومن في الأرض ساجد للّه بهذا المعنى ، وهذا الاعتبار ؛ لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل ، فهم خاضعون له ، ومنقادون لأوامره ، انتهى . بحروفه . أقول : وهذا الوجه هو المرضي عندي ، ولعله المرضي عند الكثير ، ويؤيده قوله عز وجل في سورة ( الإسراء ) :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وهو باتفاق تسبيح دلالة ، لا تسبيح عبادة .
وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
: قال المفسرون : إن ظل كل شيء يسجد للّه ، سواء ظل المؤمن وظل الكافر ، وقال الزجاج : جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير اللّه ، وظله يسجد للّه . قال ابن الأنباري : ولا يبعد أن يخلق اللّه للظلال عقولا وأفهاما ، تسجد بها وتخشع ، كما جعل للجبال أفهاما حتى سبحت للّه مع داود ، قال القشيري : في هذا نظر ؛ لأن الجبل عين ، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة ، وأما الظلال فآثار وأعراض ، ولا يتصور تقدير الحياة لها ، وقيل : المراد بسجود الظلال : ميلانها من جانب إلى جانب آخر ، وطولها وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ونزولها ، وذلك تصريف اللّه إياها على ما يشاء ، وهو كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
الآية رقم [ 48 ] من سورة ( النحل ) ، قاله ابن عباس وغيره ، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر ؛ لأن الظلال تعظم وتكثر في هذين الوقتين ، وقيل : لأنهما طرفان فيدخل وسطه فيما بينهما . بعد هذا ( الغدو ) : جمع غدوة بضم الغين فيهما ، وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ، وقيل : إلى الضحوة الكبرى ، وتجمع أيضا على غدى ، والغداة في الأصل الضحوة ، ولو حملها حامل على أول النهار لجاز له التذكير ، والجمع غدوات ، والآصال : جمع أصيل ، وهو الوقت بين العصر والمغرب ، ويجمع أيضا على أصائل ، وأصل ، وأصلان ، هذا ؛ وقيل : الآصال جمع أصل ، والأصل جمع أصيل ، ثم أصائل جمع الجمع ، قال أبو ذؤيب الهذلي : [ الطويل ]
لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل
هذا ؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء ، مثل الحبال ، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب ، وانظر الآية رقم [ 41 ] من سورة ( آل عمران ) ، والآية رقم [ 52 ] من سورة ( الأنعام ) ، ففيهما كبير فائدة . هذا ؛ والآية التي الكلام فيها يسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءته ، واستماعه لها ، فهي من الآيات الأربع عشرة التي يسن السجود لتلاوتها واستماعها ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 205 ] من سورة ( الأعراف ) تجد ما يسرك ، وانظر الكلام على ( من ) في الآية [ 48 ] من سورة ( النحل ) ، وانظر الكلام على السجود في الآية رقم [ 50 ] منها أيضا . الإعراب :
وَلِلَّهِ
: الواو : حرف استئناف . ( للّه ) : متعلقان بما بعدهما ، وتقديمهما أفاد الاختصاص .
يَسْجُدُ
: مضارع ،
مَنْ
: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل .