تنبيه : لقد عوملت ( رأى ) الحلمية هنا معاملة « رأى » العلمية في التعدي إلى مفعولين ، كما تعدت بهمزة التعدية إلى الثالث ، كما تعدى إلى الثالث ، وذلك في قوله تعالى :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ
الآية رقم [ 44 ] من سورة ( الأنفال ) ، كما عوملت الحلمية معاملة العلمية في اتحاد فاعلها ومفعولها ، وهما ضميران متصلان وللمتكلم ، وهذا لا يجوز في غير باب علم ، وحسب وفقد ، تنبه لذلك واحفظه ؛ فإنه جيد .
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 37 ]
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 )
الشرح :
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
أي : لا يأتيكما طعام من منازلكما تأكلانه في ليل أو في نهار إلا أخبرتكما بقدره ، ولونه ، والوقت الذي يصل إليكما فيه ، وهذا مثل معجزة عيسى عليه السّلام حيث قال :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
الآية رقم [ 49 ] من سورة ( آل عمران ) .
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
: قبل أن يصل إليكما ذلك الطعام .
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
أي :
إن ما أخبركما به إنما هو من تعليم اللّه إلي ، وفضله عليّ بالإلهام والوحي ، وليس من قبيل السحر ، والكهانة ، والتنجيم .
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
: المراد ب
قَوْمٍ
العزيز وأهل بيته الذين عاشرهم وعاش معهم هذه المدة الطويلة ، وقد كانوا على الكفر ، وكان يوسف بينهم مقيما على التوحيد ، والإيمان الصحيح .
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
أي : وهم لا يعتقدون بالآخرة ، وما فيها من الحساب ، والجزاء ، والجنة ، والنار .
( أتى ) : وهو يستعمل لازما ، إن كان بمعنى : حضر ، وأقبل ، ومتعديا إن كان بمعنى : وصل ، وبلغ ، فمن الأول قوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
ومن الثاني الآية الكريمة ، ومثلها كثير ، والمراد بالآخرة : الحياة الثانية التي تكون بعد الموت ، ثم بعد البعث ، والحساب ، ودخول الجنة ، والخلود فيها ، ودخول النار ، والخلود فيها ، انظر
كَفُورٌ
في الآية [ 9 ] من سورة ( هود ) ، هذا ؛ والكفر : ستر الحق بالجحود والإنكار ، وكفر فلان النعمة ، يكفرها كفرا وكفورا ، وكفرانا ، إذا جحدها وسترها وأخفاها ، وكفر الشيء : غطاه وستره ، وسمي الكافر كافرا ؛ لأنه يغطي نعم اللّه بجحدها ، وعبادته غيره ، وسمي الزارع كافرا ؛ لأنه يلقي البذر في الأرض ، ويغطيه ويستره بالتراب ، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ
وسمي الليل كافرا ؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته ، قال لبيد بن ربيعة الصحابي - رضي اللّه عنه - في معلقته : [ الكامل ]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر * وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
مِلَّةَ قَوْمٍ
: طريقتهم ، وديانتهم ، وهي بكسر الميم ، وهي بفتح الميم : الرماد الحار .
الإعراب :
قالَ
: ماض ، والفاعل يعود إلى يوسف تقديره : « هو » .
لا
: نافية .
يَأْتِيكُما
: مضارع مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل ، والكاف مفعول به ،