وقال ابن هشام في المغني : ويجوز أن يكون
لَيَسْجُنُنَّهُ
جوابا ل
بَدا ؛
لأن أفعال القلوب ، لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم ، قال : [ الكامل ]
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي * إنّ المنايا لا تطيش سهامها
وهذا هو الشاهد رقم [ 750 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » .
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 36 ]
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 )
الشرح :
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ
أي : غلامان كانا للوليد ملك مصر ، أحدهما : خبازه ، والآخر : صاحب شرابه ، وكان قد غضب عليهما الملك فحبسهما ، والسبب في ذلك : أن جماعة من أشراف مصر أرادوا قتله ، فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن يسمّا الملك في طعامه وشرابه ، فأجابا إلى ذلك ، ثم إن الساقي ندم ، فرجع عن ذلك ، وقبل الخباز الرشوة ، وسم الطعام ، فلما حضر الطعام والشراب بين يدي الملك ، قال الساقي : لا تأكل أيها الملك ؛ فإن الطعام مسموم ، وقال الخباز : لا تشرب ؛ فإن الشراب مسموم ، فقال للساقي : اشرب فشربه ، فلم يضره ، وقال للخباز : كل من طعامك ، فأبى ، فأطعم منه دابة فهلكت ، فأمر الملك بحبسهما ، فحبسا مع يوسف ، وكان يوسف عليه السّلام لما دخل السجن جعل ينشر علمه ، ويقول : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الغلامين لصاحبه : هلم فلنجرب هذا الغلام العبراني ، فتراءيا له رؤيا ، فسألاه من غير أن يكونا قد رأيا شيئا ، وقيل : بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقية ، فرآهما يوسف مهمومين ، فسألهما عن شأنهما ، فذكرا أنهما غلامان للملك ، وقد حبسهما ، وقد رأيا رؤيا قد غمتهما ، فقال : قصا علي ما رأيتما ، فقصّا عليه ما رأياه . قال أحدهما - وهو صاحب شراب الملك -
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً
: إني رأيت في المنام أعصر عنبا ، وهو حكاية حال ماضية ، وسمي العنب خمرا باسم ما يؤول إليه .
وقال الآخر : أي : الخباز .
إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ
أي : رأيت في المنام أني حامل فوق رأسي خبزا ، والطير تنهش منه .
نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
: خبرنا بتفسير ما رأينا ، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا ،
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
أي : من العالمين بتعبير الرؤيا . ويكون الإحسان بمعنى العلم ، وقال الضحاك : إحسانه كان إذا مرض إنسان في السجن ؛ عاده ، وقام عليه ، وإذا ضاق على أحد ؛ وسع عليه ، وإذا احتاج أحد جمع له شيئا ، وكان مع هذا يجتهد في العبادة ؛ يصوم النهار ، ويقوم الليل كله للصلاة ، فأحبه أهل السجن لذلك .