تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
( الشيطان ) : اسم يطلق على عدو اللّه إبليس ، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة ، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس والجن والحيوان ، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم ، قال تعالى :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
الآية رقم [ 112 ] من سورة ( الأنعام ) ، وما أجدرك أن تنظر شرحها هناك ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأبي ذر الغفاري - رضي اللّه عنه - : « يا أبا ذرّ تعوّذ باللّه من شياطين الإنس والجنّ » . قال : أو للإنس شياطين ؟ ! قال : « نعم » . ولا تنس أن لكل واحد من الإنس شيطانا ، بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة - رضي اللّه عنها - : « أجاءك شيطانك ؟ » . قالت : أولي شيطان ؟ قال : « ما من أحد ، إلّا وله شيطان » . قالت : وأنت يا رسول اللّه ؟ قال : « وأنا إلّا أنّني أعانني اللّه عليه فأسلم ، فلا يأمر إلّا بخير » . فاعل أسلم يحتمل عوده إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون من السلامة ، أي : أسلم من شره ويكون مضارعا مرفوعا ، ويحتمل عوده إلى الشيطان نفسه ، فيكون من الإسلام ، ويكون ماضيا ، هذا ؛ والشيطان مأخوذ : من شطن ؛ إذ بعد ، وقيل : مأخوذ من شاط : إذا احترق ، فعلى الأول هو مصروف ؛ لأن النون أصلية ، وعلى الثاني هو غير مصروف ، لزيادة الألف والنون ، وشطن من باب قعد ، وشاط من باب ضرب . ( الرجيم ) : فعيل بمعنى مفعول ، فإنه مرجوم باللعن ، والطرد عن الخير ، وعن رحمة اللّه تعالى ، وقيل : هو فعيل بمعنى فاعل ، أي : يرجم غيره بالوسوسة والإغواء ، بعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة ، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة الاستعاذة على طريقة النحت ، والنحت في الكلام تركيب كلمة من كلمتين ، أو أكثر ، نحو البسملة ، والحوقلة من : ( لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ) ، والاسترجاع من :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
والفذلكة من : ( فذلك كذا وكذا ) وهلمّ جرّا . قال الخازن - رحمه اللّه تعالى - : ومن لطائف الاستعاذة أن قوله : ( أعوذ باللّه . . . ) إلخ إقرار من العبد بالعجز والضعف ، واعتراف من العبد بقدرة الباري عز وجل ، وأنه الغني القادر على دفع جميع المضرات والآفات ، واعتراف من العبد أيضا بأن الشيطان عدو مبين ، ففي الاستعاذة لجوء إلى اللّه تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغوي الفاجر ، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا اللّه تعالى ، واللّه أعلم . الإعراب : ( أعوذ ) : مضارع مرفوع ، والفاعل مستتر تقديره « أنا » . ( باللّه ) : متعلقان بالفعل قبلهما ، وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر ؛ فلست مفندا ، ويكون التقدير : أعوذ مستجيرا باللّه . ( من الشيطان ) : متعلقان بالفعل : ( أعوذ ) . ( الرجيم ) : صفة ( الشيطان ) مجرور مثله ، هذا ؛ ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، ونصبه على أنه مفعول به لفعل محذوف ، تقديره : أذم : وهذان الوجهان على القطع عن الاتباع ، وجملة : ( أعوذ . . . ) إلخ ابتدائية لا محل لها .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 535 | الشيخ محمد علي طه الدرة