فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا نبيهم يونس - عليه السّلام - فلم يجدوه ، فقذف اللّه سبحانه وتعالى في قلوبهم التوبة ، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ، ونسائهم ، وصبيانهم ، ودوابهم ، ولبسوا المسوح ، وأظهروا التوحيد ، والتوبة ، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب ، فحن البعض إلى البعض ، فحن الأولاد إلى الأمهات ، والأمهات إلى الأولاد ، وعلت الأصوات وعجّوا إلى اللّه ، وتضرّعوا إليه ، وقالوا : آمنا بما جاء به يونس ، وتابوا إلى اللّه ، وأخلصوا النية ، فرحمهم ربهم ، فاستجاب دعاءهم ، وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب ، بعد ما أظلهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، وكان يوم الجمعة .
قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم ؛ حتى إن كان الرجل ليأتي إلى الحجر ، وقد وضع أساس بنيانه عليه ، فيقلعه ، فيرده إلى صاحبه .
وروى الطبراني بسنده عن أبي الجلد جيلان ، قال : لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم ، فقالوا له : إنه قد نزل بنا العذاب ، فما ترى ؟ ! قال : قولوا : يا حيّ حين لا حيّ ، ويا حيّ محيي الموتى ، ويا حي لا إله إلا أنت ! فقالوها ، فكشف اللّه عنهم العذاب ، ومتّعوا إلى حين .
وقال الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى : إنهم قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت ، وجلّت ، وأنت أعظم وأجل ، فافعل بنا ما أنت أهله ، ولا تفعل بنا ما نحن أهله ، قال : وخرج يونس - عليه السّلام - ينتظر العذاب ، فلم ير شيئا ، فقيل له : ارجع إلى قومك ، قال : وكيف أرجع إلى قومي ، فيجدوني كذابا ، وكان من كذب ولا بينة له قتل ، فانصرف عنهم مغاضبا ، فالتقمه الحوت ، وستأتي القصة في سورة ( الأنبياء ) ، و ( الصافات ) إن شاء اللّه تعالى .
الإعراب :
فَلَوْ لا
: الفاء : حرف استئناف . ( لولا ) : حرف تخضيض معناه هنا التوبيخ والتنديم ، والنفي .
كانَتْ
: ماض تام ، والتاء للتأنيث .
قَرْيَةٌ
: فاعله .
آمَنَتْ
: ماض ، والتاء للتأنيث ، والفاعل يعود إلى قرية ، والجملة الفعلية في محل رفع صفة :
قَرْيَةٌ
.
فَنَفَعَها إِيمانُها
: ماض ومفعوله وفاعله ، و ( ها ) : في محل جر بالإضافة ، الجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ، فهي في محل صفة مثلها .
إِلَّا
: أداء استثناء .
قَوْمَ
: منصوب على الاستثناء المنقطع من قرية ، وقيل : على الاستثناء المتصل على تقدير الكلام : فلولا كان أهل القرية آمنوا . . إلخ ، وقال الزمخشري : وقرئ بالرفع على البدل . هكذا روى عن الجرمي ، والكسائي ، قال القرطبي : ومن أحسن ما قيل في الرفع ، ما قاله أبو إسحاق الزجاج ، قال :
يكون المعنى غير قوم يونس ، فلما جاء ب
إِلَّا
أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب ( غير ) ، كما قال حضرمي بن عامر الأسدي : [ الوافر ]
وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلّا الفرقدان