تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 26 ]

قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) الشرح :
قالَ
اللّه عزّ وجل :
فَإِنَّها
أي : الأرض المقدسة
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ .
أَرْبَعِينَ سَنَةً :
ظرف زمان ، فإن علّق ب :
مُحَرَّمَةٌ
كان التحريم موقتا بهذه المدّة غير مؤبّد ، ويؤيد ذلك ما روي : أنّ موسى - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - سار بعدها بمن بقي معه من بني إسرائيل ، ففتح أريحا ، وأقام فيها ما شاء اللّه ، ثمّ قبض . وقيل : إنّه قبض في التّيه ، ولما احتضر ؛ أخبرهم بأنّ يوشع بعده نبيّ ، وأنّ اللّه أمره بقتال الجبّارين ، فسار يوشع بهم ، وقتل الجبابرة ، وصار الشّام كله لبني إسرائيل . وإن علق الظرف بالفعل :
يَتِيهُونَ
أي : يسيرون فيها متحيرين ، لا يرون طريقا ، ولا يعرفون أين يسيرون ، فيكون التحريم مطلقا . روي : أنّه لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممّن قال :
إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها .
بل هلكوا جميعا في التيه . هذا ؛ والتّحريم المذكور تحريم منع ، لا تحريم شرع . قاله أكثر المفسّرين ، ومنه قول امرئ القيس - وهو الشاهد رقم [ 1155 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ الكامل ]
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إنّي امرؤ صرعي عليك حرام
ف : « حرام » بكسر الميم ، انظر كتابنا المذكور لتعرف لماذا كسرت الميم ؟ وأصل التيه في اللغة : الحيرة ، يقال منه : تاه ، يتيه ، تيها ، وتوها ، إذا تحيّر ، والأرض التيهاء : التي لا يهتدى فيها . قال الشاعر : [ الطويل ]
بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
أي : لا تأسف ، ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به ، فإنّهم مستحقون ذلك ، ففيه تسلية لموسى - عليه السّلام - لمّا ندم على الدّعاء عليهم ، وبيّن : أنّهم أحقاء بذلك العذاب لفسقهم ، ولم يقل : « فلا تأس عليهم » وإنّما وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بشدّة الفسوق ، ورسوخه في قلوبهم و « الأسى » : الحزن ، وأسي ، يأسى ، أسى ، أي : حزن . قال امرؤ القيس في معلّقته : [ الطويل ]
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمّل
وشرح التيه : أنّهم لبثوا أربعين سنة في تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا ، وكانوا ستمئة ألف مقاتل ، وكانوا يسيرون من الصّباح إلى المساء ، فإذا هم في المكان الذي ارتحلوا عنه ، ويسيرون من المساء إلى الصباح فإذا هم في المكان نفسه ، وكان ذلك عقوبة لبني إسرائيل ، ما خلا موسى . وهارون ، ويوشع ، وكالب ، فإنّ اللّه سهّله عليهم ، وأعانهم عليه ، كما سهّل النار على