تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
غطّت يده بكلّ شعرة سنة ، قال : أي ربّ ! ثمّ مه ؟ قال : ثمّ الموت ، قال : فالان » . فسأل اللّه أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطّريق تحت الكثيب الأحمر » . أخرجه مسلم . واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت ، وفقئها على أقوال كثيرة ، والصّحيح من هذه الأقوال : أنّ موسى - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - عرف ملك الموت ، وأنّه جاءه ليقبض روحه ، لكنه جاء مجيء الجازم بأنّه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير ، وعند موسى ما قد نصّ عليه نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أنّ اللّه لا يقبض روح نبيّ حتى يخيّره ، فلمّا جاء على غير هذا الوجه الذي أعلم ؛ بادر بشهامته ، وقوّة نفسه إلى أدبه ، فلطمه ، ففقأ عينه امتحانا لملك الموت ؛ إذ لم يصرح له بالتّخيير ، وممّا يدل على صحة هذا : أنّه لما رجع ملك الموت ، فخيره بين الحياة والموت ؛ اختار الموت ، واستسلم . واللّه بغيبه أحكم ، وأعلم ، هذا أصحّ ما قيل في وفاة موسى ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام . وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا ، وأخبارا اللّه أعلم بصحّتها ، وفي الصحيح غنية عنها ، وكان عمره مئة وعشرين سنة يوم توفي . خاتمة : بعد وفاة موسى ، وهارون في التيه على المعتمد تولى يوشع - عليه السّلام - أمر بني إسرائيل ؛ لأنّ اللّه منحه النبوة ، والرسالة ، فلمّا انقضت الأربعون سنة أخبرهم أنّ اللّه عزّ وجل قد أمره بقتال الجبّارين ، فصدّقوه ، وتابعوه ، فتوجه بهم إلى مدينة الجبّارين ، وهي أريحا ، وقيل : بيت المقدس ، فحاصرها حتى فتحها ، وكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر ، وبقيت من الجبّارين بقيّة ، وكادت الشمس أن تغرب ، وخشي دخول السّبت عليهم ، فقال مخاطبا الشمس : إنّك مأمورة ، وأنا مأمور ، اللهم احبسها عليّ ! فحبسها اللّه ؛ حتّى فتحها ، وأمره اللّه أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا باب المدينة المفتوحة سجّدا ، وأن يقولوا : حطّة ، أي : حطّ عنا يا ربنا ذنوبنا . فبدّلوا ما أمروا به ، ودخلوا يزحفون على أستاههم ، وهم يقولون : حبّة في شعرة . انظر الآيتين [ 58 و 59 ] من سورة ( البقرة ) ، والآيتين رقم [ 161 و 162 ] من سورة ( الأعراف ) ، حيث انتقم اللّه منهم ، وإذا عرفت : أنّ الذين كانوا مع يوشع عليه السّلام هم أبناء الذين خالفوا أمر موسى عليه السّلام ، وتاهوا ؛ عرفت الخبث ، واللّؤم المتأصّل في اليهود . والحكمة في حبس الشمس على يوشع - عليه السّلام - عند قتاله الجبّارين ، وإشرافه على فتح المدينة المذكورة عشيّ يوم الجمعة ، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح : أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السّبت ، ويعلم به عدوهم فيعمل بهم السّيف ، ويجتاحهم ، فكان ذلك آية خصّ بها بعد أن كانت نبوّته ثابتة بخبر موسى ، على نبينا ، وعليهم جميعا ألف صلاة ، وألف سلام .