تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
فسلّى بذلك نبيّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم عمّا نزل به من الشدائد ؛ التي حصلت له من مخالفة قومه ، ومعاصيهم عليه . انتهى . خازن .
إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ :
أي : كلّما مات نبيّ ؛ قام فيكم نبيّ آخر من لدن أبيكم إبراهيم ومن بعده ، فلم يخل زمن من نبيّ ، ورسول فيكم يدعو إلى اللّه ، ويحذّركم نقمته ؛ حتى ختموا بعيسى ابن مريم ، عليه السّلام ، ثمّ أوحى اللّه إلى خاتم النبيين ، والمرسلين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهم جميعا ألف صلاة ، وألف سلام .
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
أي : جعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد أن كنتم عبيدا . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : كان الرّجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة ، والخادم ، والدار سمّي : ملكا . وقال ابن جرير : عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنهما - ، وسأله رجل ، فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال عبد اللّه - رضي اللّه عنه - : لك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم . قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم ، قال : فأنت من الأغنياء ، فقال : إن لي خادما ، قال : فأنت من الملوك . أخرجه مسلم . وهذا كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أصبح آمنا في سربه ، معافى في بدنه عنده قوت يومه ؛ فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها » . أخرجه الترمذي ، وابن ماجة عن عبد اللّه بن محصن ، رضي اللّه عنه . هذا وقيل : إنّ المعنى : جعلكم كالملوك في رغد العيش . فحذف أداة التشبيه ، ووجه الشبه ، فأصبح بليغا .
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
يعني : عالمي زمانكم ، فإنّهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان ، والقبط ، وسائر أصناف بني آدم ، كما قال تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 47 و 122 ] :
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ .
هذا ؛ و
الْعالَمِينَ
جمع : عالم بفتح اللام ، وجمع لاختلاف أنواعه ، وهو جواب عمّا يقال : إنّه اسم جنس يصدق على كل ما سوى اللّه ، والجمع لا بدّ أن يكون له ثلاثة أفراد ، فأكثر ، وجمع بالياء والنون كما يجمع بالواو والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم ، وهو يقال لكلّ ما سوى اللّه ، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول موسى - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم - لمّا قال له فرعون :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ .
هذا ؛ والعوالم كثيرة ، لا تحصيها الأرقام ، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ ، والبحر ؛ إذ كلّ جنس من المخلوقات يقال له : عالم ، قال تعالى :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
ولا واحد له من لفظه ، مثل : معشر ، ورهط ، وقوم . وقال مقاتل - رحمه اللّه تعالى - : العالمون ثمانون ألف عالم : أربعون ألف عالم في البر ، وأربعون ألف عالم في البحر . انتهى . وجمع جمع المذكر السالم ، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل ، والعالم مشتق من العلامة ؛ لأنّه دالّ على وجود خالقه ، وصانعه ، وعلى وحدانيته - جلّ ، وعلا - كما قال ابن المعتز : [ المتقارب ]