تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
اليهود ، والنصارى ، ثمّ عدّد جرائم اليهود ، وما اتّهموا به الذّات الإلهية المقدّسة من شنيع الأقوال ، وقبيح الفعال . واختلف في سبب نزول الآيات . فقال قوم : نزلت في عبادة بن الصّامت - رضي اللّه عنه - ، وعبد اللّه بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين ، وذلك : أنّهما اختصما ، فقال عبادة - رضي اللّه عنه - : إنّ لي أولياء من اليهود ، كثير عددهم ، شديدة شوكتهم ، وإنّي أبرأ إلى اللّه ، وإلى رسوله من ولايتهم ، ولا مولى لي إلا اللّه ورسوله . فقال عبد اللّه بن أبي : لكنّي لا أبرأ من ولايتهم ، فإنّي أخاف الدوائر ، ولا بدّ لي منهم . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أبا الحباب ، ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه » . فقال : إذن أقبل ، فأنزل اللّه هذه الآية والتي بعدها . والمراد باليهود قبيلة بني قينقاع ؛ الذين أجلاهم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة ، وكانوا حلفاء لعبد اللّه المنافق ، فتشبث بهم . وقال السدي - رحمه اللّه تعالى - : لمّا كانت وقعة أحد ؛ اشتدّ الأمر على طائفة من الناس ، وتخوّفوا أن يدال عليهم للكفار ، فقال رجل من المسلمين : أنا الحق بفلان اليهودي ، وآخذ منه أمانا ، وقال آخر : أنا ألحق بفلان النّصراني من أهل الشام ، وآخذ منه أمانا ، فأنزل اللّه هذه الآية ينهاهم فيها عن موالاة اليهود ، والنصارى . وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر ، لمّا بعثه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني قريظة حين حاصرهم . وهذا ضعيف .
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
أي : يوالي ، ويناصر بعضهم بعضا ؛ لاتحادهم في الكفر ، واجتماعهم على عداوتكم ، وما نراه في العصر الحديث من مساعدة الإنكليز ، والأمريكان لليهود يؤكّد هذه الحقيقة التي نزل بها القرآن منذ أربعة عشر قرنا ، وهي ماثلة أمام أعين الناس أجمعين .
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
أي : من يعتمد على اليهود ، والنصارى ، والمشركين في شؤونه ، ويأمن غدرهم ، وشرّهم ؛ فهو منهم ، ويحشر معهم يوم القيامة ، وهذا تعليم من اللّه تعالى ، وتشديد عظيم في مجانبة الكفار جميعا ، وكلّ من خالف دين الإسلام . وانظر الآية رقم [ 28 ] من سورة ( آل عمران ) تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي . . .
إلخ . أي : لا يوفق الذين ظلموا أنفسهم بموالاة أعداء اللّه ، أو ظلموا المؤمنين بموالاة أعدائهم ، وانظر « الظلم » وأنواعه في الآية رقم [ 146 ] من سورة ( الأنعام ) واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا :
انظر الآية رقم [ 1 ] من هذه السّورة .
لا :
ناهية جازمة .
تَتَّخِذُوا :
فعل مضارع مجزوم ب
لا
الناهية ، وعلامة جزمه حذف النون ؛ لأنّه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والألف للتفريق .
الْيَهُودَ :
مفعول به أول .
وَالنَّصارى :
معطوف عليه منصوب مثله ، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر .
أَوْلِياءَ . . . :
مفعول به ثان ، والجملة الفعلية :
لا تَتَّخِذُوا . . .
إلخ لا محلّ لها ؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها .
بَعْضُهُمْ :
مبتدأ ، والهاء في محل جر بالإضافة .
أَوْلِياءَ :
خبر المبتدأ ، وهو مضاف ، و
بَعْضٍ :
مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه ، والجملة الاسمية تعليل للنهي ، لا محلّ لها .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 134 | الشيخ محمد علي طه الدرة