الكتب المتقدّمة ، يشهد لها بالصحّة ، والثبات ، وجامعا لأحكامها ، وتعاليمهما . قال حسان - رضي اللّه عنه - : [ الكامل ]
إنّ الكتاب مهيمن لنبيّنا * والحقّ يعرفه ذوو الألباب
هذا ؛ ويقرأ بفتح الميم الثانية على صيغة المفعول ، وفسّر بأنّ محمدا مؤتمن عليه ، وحافظ له من التغيير ، والتبديل ، والحافظ له في الحقيقة هو اللّه تعالى بقوله :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
وكذلك الحفّاظ في كل عصر .
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
أي : أنزل إليك . هذا أمر يوجب الحكم بين اليهود ، والنّصارى ، فقيل : هذا نسخ للتخيير في قوله في الآية رقم [ 42 ] :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ .
وقيل : ليس هذا وجوبا ، والمعنى : فاحكم بينهم إن شئت . ولا تتبع أهواءهم . . . إلخ : فهذا النهي ليس على بابه ، وإنّما هو على سبيل الفرض ، والتقدير . فحاشاه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يميل عن الحقّ لبعض الناس ! أو : يكون الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد أمّته . وانظر شرح
الْهَوى
في الآية رقم [ 135 ] من سورة النّساء فإنّه جيّد ، والحمد للّه ! .
لِكُلٍّ
أي : لكل الناس من مسلمين ، ويهود ، ونصارى .
جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً :
شريعة ، وطريقة واضحة في الدّين ، ومنهاجا يمشون عليه . ويتقيّدون بأحكامه . والشريعة في كلام العرب : المشرعة ؛ التي يشرعها الناس ، فيشربون ، ويسقون منها ، وقيل : الشّريعة : الطريقة ، ثم استعيرت للطريقة الإلهية المؤدّية إلى الدّين . والمنهاج : الطريق الواضح . وقال بعضهم :
الشّريعة ، والمنهاج عبارتان عن معنى واحد ، والتكرير للتّأكيد ، والمراد بها الدّين . وقال آخرون :
بينهما فرق لطيف ، وهو أنّ الشريعة هي التي أمر اللّه بها عباده . والمنهاج : الطّريق الواضح المؤدّي إلى الشّريعة ، ولكلّ رسول ، وكتاب شريعة ، يحلّ اللّه فيها ما يشاء ، ويحرّم ما يشاء ، ليعلم من يطيعه ممّن يعصيه ، والدّين الذي لا يقبل غيره هو التّوحيد ، والإخلاص للّه الذي جاءت به جميع الرّسل ، عليهم السّلام ، كما ثبت في صحيح البخاريّ : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلّات ، ديننا واحد » . أي : أبناء ضرائر .
وقال عليّ - رضي اللّه عنه - : الإيمان منذ بعث آدم عليه السّلام : شهادة أن لا إله إلا اللّه ، والإقرار بما جاء من عند اللّه ، ولكلّ قوم شريعة ، ومنهاج . قال العلماء : وردت آيات دالّة على عدم التباين في طريقة الأنبياء ، والرّسل ، منها قوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً . . .
إلخ رقم [ 13 ] من سورة ( الشّورى ) ، ومنها قوله عزّ وجل :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . . .
إلخ رقم [ 90 ] من سورة ( الأنعام ) ، ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهم ، منها قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ،
وطريق الجمع بين هذه الآيات : أنّ كلّ آية دلّت على عدم التباين فهي دالّة على أصول الدّين ، من الإيمان باللّه ، وملائكته ، وكتبه ،