تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
النّضير إذا قتلوا من قريظة ؛ أدّوا إليهم نصف الدّية ، وإذا قتل بنو قريظة من بني النّضير ؛ أدّوا إليهم الدّية كاملة ، فغيّروا حكم اللّه ؛ الذي أنزله في التّوراة . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أخبر اللّه بحكمه في التوراة : وهو :
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
قال : فما لهم يخالفون ، فيقولون النفسين بالنفس ، ويفقؤون العينين بالعين ؟ ! ومعنى الآية : أنّ قاتل النفس يقتل بها إذا تكافأ الدّمان ، وسائر الأطراف ، والأعضاء يجري فيها القصاص كذلك .
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
يعني : فيما يمكن أن يقتصّ منه ، وهذا تعميم بعد التّخصيص ؛ لأنّ اللّه تعالى ذكر النّفس ، والعين ، والأنف ، والأذن ، فخصّ هذه الأربعة بالذّكر ، ثمّ قال تعالى :
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
على سبيل العموم ، فيمكن أن يقتصّ منه ، كاليد ، والرجل ، والذّكر ، والأنثيين ، وغيرها ، وأمّا ما لا يمكن القصاص فيه ، كرضّ في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن ؛ يخاف منها التّلف ؛ فلا قصاص في ذلك . وفيه الأرش ، والحكومة « 1 » . وانظر الآية رقم [ 178 ] من سورة ( البقرة ) . واعلم : أنّ هذه الآية دالة على أنّ هذا الحكم كان شرعا في التوراة ، فمن قال : شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ منه بالتفصيل ؛ قال : هذه الآية حجّة في شرعنا ، ومن أنكره ؛ قال : إنّها لست بحجّة علينا . وأصل هذه المسألة : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته بعد البعثة متعبّدون بشرع من تقدّم من الأنبياء ، عليهم السّلام ، وفي ذلك خلاف مشهور ، فبعض العلماء يقول : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان متعبّدا بما صحّ من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه لا من جهة كتبهم المبدّلة ، واختار بعض العلماء المنع من ذلك . واحتجّ الأوّلون لصحّة مذهبهم بأنّ الإجماع منعقد على صحّة الاستدلال بالآية الكريمة مع أنّه من شريعة من تقدّم ؛ لأنّه مذكور في التوراة ، ومكتوب على بني إسرائيل ، ولولا أنّا متعبّدون بشريعة من قبلنا ؛ لما صحّ هذا الاستدلال .
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ
يعني : بالقصاص ، فلم يقتص من الجاني .
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ :
في هاء :
لَهُ
قولان : أحدهما : أنّ الهاء كناية عن المجروح ، وولي المقتول ، وذلك أنّ المجروح ، أو وليّ المقتول إذا تصدّق بالقصاص ؛ كان ذلك كفارة لذنوبه . وهذا قول ابن مسعود ، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص ، والحسن البصري - رضي اللّه عنهم - ويدلّ عليه ما روي عن أبي الدّرداء - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما من رجل يصاب بشيء من جسده ، فيتصدّق به ؛ إلّا رفعه اللّه به درجة ، وحطّ عنه به خطيئة » . أخرجه الترمذيّ . وعن أنس - رضي اللّه عنه - قال : ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو .
هامش
( 1 ) الأرش : هو دية الجراحات ؛ أي : التعويض المالي . والحكومة : الحكم الذي يصدره القاضي المسلم في الجراحات .