تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ . . . :
رقباء ؛ لئلا يحرّف ، ويبدّل ، ويعلمون : أنّه حقّ من عند اللّه ، وصدق ، كما فعل عبد اللّه بن سلام ، وابن صوريا ؛ حيث عملا بالتّوراة ، وآمنا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ . . .
إلخ : انظر الآية رقم [ 3 ] .
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي . . .
أي : ولا تستبدلوا بآيات اللّه ، وأحكامه ثمنا قليلا ، يعني : الرّشوة في الأحكام ، والجاه عند الناس ، ورضاهم . والمعنى : كما نهيتكم عن تغيير الأحكام لأجل خوف الناس ؛ لذلك أنهاكم عن التغيير ، والتبديل ؛ لأجل الطّمع في المال ، والجاه ، وأخذ الرّشوة ، فإنّ كلّ متاع الدّنيا قليل ، لا قيمة له بجانب نعيم الآخرة الدائم ، هذا ؛ وفي قوله تعالى :
فَلا تَخْشَوُا . . .
إلخ التفات من الغيبة إلى الخطاب ، والقياس : فلا يخشوا ، ولا يشتروا . وللالتفات فوائد كثيرة : منها تطرية الكلام ، وصيانة السّمع عن الضّجر ، والملال ؛ لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقلات ، والسّآمة من الاستمرار على منوال واحد . هذه فوائده العامّة ، ويختصّ كلّ موضع بنكت ، ولطائف باختلاف محلّه ، كما هو مقرّر في علم البديع ، ووجهه حثّ السّامع ، وبعثه على الاستماع ؛ حيث أقبل عليه المتكلّم ، وأعطاه فضل عنايته ، وخصّصه بالمواجهة .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ :
مستهينا به ، ومنكرا له .
فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ :
لاستهانتهم به ، وتمرّدهم عليه بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم اللّه بقوله الآتي :
الظَّالِمُونَ
و
الْفاسِقُونَ
فكفرهم لإنكاره ، وجحوده ، وظلمهم بالحكم بخلافه ، وفسقهم بالخروج عنه ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : من لم يحكم بما أنزل اللّه جاحدا ؛ فهو كافر ، وإن لم يكن جاحدا ؛ فهو فاسق ظالم . وقال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : هي عامّة في كلّ من لم يحكم بما أنزل اللّه من المسلمين ، واليهود ، والكفّار . وقيل : الكافرون للمسلمين ، والظّالمون لليهود ، والفاسقون للنّصارى . وهذا اختيار أبي بكر ابن العربي . قال : لأنّه ظاهر الآيات ، وهو اختيار ابن عباس ، وجابر بن زيد ، وابن أبي زائدة ، وابن شبرمة ، والشعبيّ أيضا . واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه . وخذ ما يلي : عن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : أقبل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا معشر المهاجرين ! خمس إذا ابتليتم بهنّ - وأعوذ باللّه أن تدركوهنّ - : لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ ؛ حتّى يعلنوا بها ؛ إلّا فشا فيهم الطّاعون ، والأوجاع ؛ الّتي لم تكن مضت في أسلافهم ؛ الّذين مضوا قبلهم ، ولم ينقصوا المكيال ، والميزان ؛ إلّا أخذوا بالسّنين ، وشدّة المؤونة ، وجور السّلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم ؛ إلّا منعوا القطر من السّماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد اللّه ، وعهد رسوله ؛ إلّا سلّط اللّه عليهم عدوّا من غيرهم ، فأخذوا بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب اللّه ، ويتخيّروا ممّا أنزل اللّه ؛ إلّا جعل اللّه بأسهم بينهم » رواه ابن ماجة برقم : [ 4019 ] ، والبيهقي ، والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 117 | الشيخ محمد علي طه الدرة